• الجمعة 03 ربيع الأول 1438هـ - 02 ديسمبر 2016م

سيناريو استخدام العرب وقوداً وجنوداً في الصراع الدولي والإقليمي على النفوذ والهيمنة، تكرر عشرات المرات في التاريخ العربي الحديث والقديم أيضاً، تكرر منذ سقوط الأندلس وحتى اليوم وحتى الغد.. سيناريو إسقاط العرب بالعرب

نغرس الفسيلة.. ونبتغي إلى الله الوسيلة!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 02 نوفمبر 2016

محمد أبو كريشة*

الأمَّة العربية مسرح عرائس كبير ممتد من المحيط إلى الخليج، وهؤلاء الذين يتحركون على الخشبة العملاقة ويتقاتلون ويتخاصمون ليسوا سوى دمى وعصي يخيل إلينا من سحر السحرة أنها تسعى ونحن في انتظار عصا موسى لعلّها تأتي وتلقف ما يأفكون.. لكن موسى عليه السلام ذهب مع عصاه ولن يرجع إلينا أبداً، لذلك نظل بلا نهاية نتابع الدمى وكيد الساحر الذي لا أحد يبطله. وسنظل طويلاً إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً، عاكفين على عجول مليون سامري أو ملايين أضلونا، سنظل عاكفين إلى أن يرجع إلينا موسى.. وموسى لن يرجع أبداً، وحكمة وهدوء هارون عليه السلام ومن يشبهه لا جدوى منهما، لأن القوم يستضعفونه، ولا يرقبون قوله ولا يقرأون ما يكتب ولا يسمعون ما يقول. وهو يخشى الفرقة، لذلك يسكت على مضض وحزن ويقول إن درء المفاسد مقدم على جلب المنافع، فليظل القوم على باطلهم بدلاً من أن يتفرقوا. فليكن الإجماع على باطل بدلاً من فتنة وتفرق القوم على الحق وفيه. ليظلوا حتى يرجع موسى وموسى لن يرجع.

مليون عجل جسد له خوار نصدقه ونعكف عليه، وأيام الزينة كثرت في أمتنا، حيث يحشر الناس في الميادين ابتغاء الفتنة وابتغاء اتباع السحرة. والعصي والحبال تلقى في الإعلام، والمظاهرات ومواقع التواصل، ونحن نتوهم أنها تسعى ويأتي السحرة بسحر عظيم. واللعبة من طرف واحد، وليست بين طرفين، لذلك ينتصر السحرة ويسترهبوننا، ونصدق زيفهم، ويسحرون أعيننا ويخطفون أبصارنا وعقولنا، حتى فقدنا القدرة على الفرز والتأمل وإعادة النظر، وصار الباطل أكثر نفيراً وأقوى حجة وأعلى كعباً وصوتاً، ويضيع صوت الرجل العاقل الذي آمن وهو ينادي: يا قومي.. يا قومي.. ويبقى صوت الباطل قوياً وهو يقول: «ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد»، فقد صار الغي في هذه الأمة رشاداً، وصار الباطل حقاً، وسادت ثقافة القطيع الذي يتبع كل ناعق، وصار المعروف منكراً والمنكر معروفاً، ويأمر الناس بالمنكر وينهون عن المعروف.

ربما تكون تلك الفوضى من علامات وأشراط الساعة، فهل نستسلم؟ لا، بل نغرس الفسيلة، ونبتغي إلى الله الوسيلة حتى إذا قامت القيامة، لا لنصلح الكون، ولا لنلغي أشراط وعلامات الساعة، ولا لنبدل سنة الله، ولكن فقط لننجو. ونبرأ إلى الله مما يفعل قومنا الذين أعيت حماقتهم من يداويها. قومنا الذين ينتحرون بالوكالة ويتقاتلون بالوكالة ويموتون بالوكالة ويتشردون بالوكالة ويحرقون ويدمرون بالوكالة.. قومنا الذين جعلوا أمة بأكملها أمة من اللاجئين والنازحين والمشردين. قومنا الذين جعلوا الإرهاب والتطرف والغلو دينهم وديدنهم، وحياتهم ويومياتهم، جعلوا الإرهاب مصدر رزقهم وأقواتهم، يتربحون من الموت، ويفلسون إذا انتصرت الحياة.

ما زالت التحذيرات متواصلة من نشوب حرب طائفية مذهبية في أمة العرب. وهذه التحذيرات تجاوزها الزمن لأن الحرب المذهبية الطائفية اندلعت فعلاً وحقاً، لا نخاف اندلاعها لأنها اندلعت فعلاً. وقد تم استدراج العرب بكل سهولة ويسر إلى هذه الحرب الضروس التي لن تكون لها نهاية لأنها تحمل عناوين على غير الحقيقة، وهي الحرب على الإرهاب أو الثورة أو التحرير، لكن عنوانها الذي يجمع كل الحروب والصراعات في هذه الأمة، هو العنوان الصحيح «الحرب الطائفية المذهبية بالوكالة». بالوكالة عن أربع قوى دولية وإقليمية تتصارع فيما بينها على الغنائم، الجغرافية والتاريخية والاقتصادية والسياسية في الأمة العربية. وتستخدم العرب وقوداً وجنوداً في هذا الصراع ولسان حالها يقول: «سنتقاتل إلى آخر عربي». والمشكلة التي لا حل لها أن هذا السيناريو، وأعني به سيناريو استخدام العرب وقوداً وجنوداً في الصراع الدولي والإقليمي على النفوذ والهيمنة، تكرر عشرات المرات في التاريخ العربي الحديث.. والقديم أيضاً.. تكرر منذ سقوط الأندلس وحتى اليوم وحتى الغد.. سيناريو إسقاط العرب بالعرب.. وتدمير العرب بالعرب وقتل العرب بالعرب. وفي كل مرة كما يحدث حالياً، يحمل السيناريو المستهلك والقديم المتجدد عنواناً مختلفاً لتسويق الخراب والهيمنة.. لكن السيناريو هذه المرة هو حرب بلا نهاية وصراع بلا حل وإبادة جماعية بلا سقف وإلغاء تام لفكرة الأمة العربية والعروبة التي لم يعد لها فعلاً سوى وجود افتراضي ورقي لا قيمة له ولا معنى.

والسؤال الذي لا جواب له: ما سر سهولة استخدام العرب ضد بعضهم؟ ما السر وراء تجنيد العرب في الشر وحشدهم في الفتن والصراعات والهدم، بينما لم تنجح أي محاولة في حشدهم على الخير والبناء والتوحد والتضامن ولمِّ الشمل؟ ما السر في أن تضامن العرب والعمل العربي المشترك والأخوة مجرد كلام، وأن التفرق والفشل وذهاب الريح والصراع أفعال وحركة ونشاط على الأرض؟

هناك دائماً رهان عربي خاسر عبر القرون، وهو أننا سنجعل القوى الدولية والإقليمية تتصارع وتتقاتل من أجل عيوننا. وأن التناقضات الطائفية والمذهبية بين العرب ستتحول بالتبعية إلى قوتين إقليميتين، إحداهما سُنيّة والأخرى شيعية، وستتقاتل القوتان مذهبياً من أجل العرب.. هي.. هي، لم تتغير السذاجة العربية نفسها وتبسيط وتسطيح الأمور، واعتبار العالم كله بغفلتنا نفسها وسذاجتنا وفكرنا السياسي المراهق.. وهاتان القوتان اللتان نراهن على تناقضاتهما المذهبية، بينهما تحالف استراتيجي عميق، ولا توجد لدى أي منهما فكرة العقدة المذهبية والطائفية التي انفرد بها العرب دون العالم كله، وهما قوتان صرختا كثيراً وهتفتا طويلاً من أجل القدس وفلسطين، وفي المقابل بينهما وبين إسرائيل قصة حب ملتهبة وزواج كاثوليكي وتحالف لا تنقصم عراه، فنحن العرب رضينا بأن يصدر لنا العالم كله والقوى الإقليمية والدولية، الشعارات والهتافات، بينما الحقائق والأفعال تؤكد أنه لا سُنة ولا شيعة في القوتين الإقليميتين، ولا عداء لإسرائيل، ولا قيمة للقدس والأقصى. ولا لوم على القوى الإقليمية والدولية الأربع، بل اللوم على من يتم استغفاله وخداعه واستدراجه ثم الانقضاض عليه والتهامه. السيناريو يتكرر منذ مئات السنين، وعجول السامري تتكاثر. ولم يعد الحل في هدوء هارون، بل الحل الذي أثبت فاعليته على مدى السنوات، هو قوة موسى وحرقه ونسفه للعجل وطرده للسامري. ونحن لا نملك في هذا الهباء والضياع العربي إلا أن نغرس الفسيلة ونبتغي إلى الله الوسيلة!

*كاتب صحفي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا