• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

ميزان العدالة

تجار الأطفال في المصيدة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 20 يونيو 2014

جلس الرجل على المقهى بجلبابه الصعيدي وعمامته الكبيرة، وعلى كتفيه شال من الصوف رغم حرارة الجو، لكن الطقوس و«الأناقة» تستلزم ذلك، يعبث في شاربه الكث، وهو ينظر يميناً ويساراً، إلى أن يأتيه «الجارسون» بالشيشة، ويخرج الدخان من منخاريه يطلقه في الهواء، كأنه في مسابقة لإخراج أكبر كمية من الدخان، يطلب من عامل المقهى تغيير «الحجر»، ما زال يدخن حتى تخرج النار من النارجيلة، مؤكداً أنه خبير في تدخين الشيشة، ولم يبق إلا أن يعطي دروساً فيها، يرفع الشال من على كتفه ليجلب به الهواء، عندما شعر بارتفاع درجة الحرارة، وكذلك نسبة الرطوبة، يقوم بتجفيف عرقه الغزير مستخدماً «كٌم» جلبابه، يأتي اثنان من الصبية الذين يعملون معه يوجه إليهما الأوامر بسرعة إنجاز الأعمال الموكلة إليهما، وتوصيل البضاعة للزبائن في الوقت المحدد، ثم يرفع نبرة صوته الأجش بأنه طوال حياته، وهو نموذج للالتزام، يحافظ على المواعيد ولم يسبق أن خالف اتفاقاً، وشدد كثيراً على الشابين في ذلك، ثم أخرج من جيب الصديري الذي يرتديه تحت الجلباب رزمة أوراق نقدية، وأعطى كلاً منهما مبلغاً كبيراً كمصروف جيب.

وألقى الرجل إلى النادل بمبلغ لا يحلم به فوق حساب المشروبات والشيشة حتى أن العامل لم يصدق، وهو يعد المبلغ ويقلبه بين يديه، فلم يسبق أن أغدق عليه زبون بمثل ذلك من قبل وهو يعمل في هذه المهنة منذ اكثر من اثني عشر عاماً، ثم ودعه وهو ينحني احتراماً ويرفع يده فوق رأسه امتناناً، وفي نفس الوقت، يردد له الدعوات، ويتمنى له السلامة وان يراه مرة أخرى على خير، ولم يكن النادل وحده الذي أصابته الدهشة من ثراء الرجل وكرمه الشديد وغير المسبوق، ولكن رواد المقهى لاحظوا ذلك أيضاً، خاصة وأن وجه الرجل غير مألوف بالنسبة لهم وليس من سكان المنطقة، ما جعلهم يتوقون إلى معرفته، أو التعرف عليه ولا مانع من الاستفادة من أمواله الكثيرة التي يبعثرها بلا حساب.

اختفى التاجر صاحب الشخصية الغامضة لمدة أسبوع أو أكثر ولم يظهر، بينما يتمنى كل الذين شاهدوه أن يعود مرة أخرى، وأصبحت عودته أملاً خاصة لعامل المقهى، فقدوا الأمل في تكرار المشهد الأول، لكن أمنيتهم أخيراً تحققت، جاء الرجل في ملابس مشابهة للتي كان يرتديها في المرة السابقة مع اختلاف بسيط، جلس على مقعد ومنضدة في أحد أطراف المقهى، تظاهر انه لا يعرف أحداً من الجلوس، ولا حتى العامل الذي أعطاه المبلغ الكبير في المرة السابقة، وضع ساقاً فوق الأخرى، وقبل أن يصفق بيده لاستدعاء النادل كان يقف بين يديه يكيل له التحيات، يبدى استعداده الكامل لتلبية كل مطالبه، وأنه وكل من في المقهى تحت أمره وطوع إرادته، فطلب الرجل شاياً «ثقيلاً» وشيشة، وخلال دقائق معدودة كانت مطالبه أمامه، مع كوب ماء بارد ارتشفه فجاءه بآخر يضعه أمامه مبالغة في الاهتمام به، وهو لا يفعل ذلك مع كل الزبائن بالطبع، وبعد نصف الساعة قام الرجل وفعل مثل ما فعل في المرة الأولى، لكن لم يستطع احد من الحضور معرفة شيء عنه غير اسمه وانه يدعى المعلم «سعداوي»، التقطه النادل من خلال تنصته عمداً على حديث الرجل مع صبيانه الذين كانوا يجلسون معه.

إلى هنا نجحت الخطة وتسير بشكل جيد حسب ما تم الإعداد له، فالمعلم سعداوي التاجر الذي لا يعرف أحد بالضبط ما هو نشاطه، «ضابط» شرطة يتخفى وراء هذه الشخصية ليتحقق من صحة المعلومات التي وصلت إليه بأن هناك عصابة تمارس جريمة جنائية وأخلاقية في نفس الوقت، تقوم بالاتجار في الأطفال الحديثي الولادة، تبيعهم لمن يريدون بمبالغ زهيدة، فالذكر بألف دولار والأنثى بخمسمئة فقط، وتقول معلوماته، إن أفراد العصابة يتخذون من هذا المقهى مركزاً لممارسة نشاطهم الإجرامي، حيث يعرضون خدماتهم ويصطادون الزبائن، ويعقدون الصفقات المشبوهة والمحرمة والممنوعة، وما هؤلاء الشباب الذين يعاونون المعلم سعداوي إلا رجال من الشرطة يتخفون هم أيضاً في ملابس وأزياء مختلفة توحي أنهم عمال أو أصحاب حرف متنوعة لكن حتى الآن لم يستطع أحد أيضاً التوصل، تحديداً إلى طبيعة عملهم، لكن تمكن الضابط بعد ذلك بوسائله من تسريب معلومات مغلوطة لإيهام زبائن المقهى بأنه يعمل هو ورجاله في أعمال المقاولات والبناء.

جاء المعلم سعداوي إلى المقهى على غير عادته، يبدو مهموما ويدخن بشراهة، ويطلب المزيد من «أحجار» الشيشة، كما لم يفعل من قبل، النادل تجنب الحديث معه مثلما كان يفعل من قبل، خشية أن يكون الرجل غاضباً ولا يضمن ردة فعله كيف تكون، خاصة أنه يظهر على ملامحه ذلك جلياً، فكان يضع أمامه المشروب بلا كلام كثير، إلا انه لا يريد أن يفوت الفرصة ويعرف ما الذي يضايق الرجل الذي يغدق عليه، وفي نفس الوقت يخشى أن يمر اليوم من دون أن يحصل على العطية الكبيرة، لذلك استغل قيام احد رجاله فاقترب منه وسأله عن سبب التغير، فهمس الثاني في أذنه وقال إنها مشكلة شخصية، فالمعلم سعداوي ثري يملك الملايين من الأموال السائلة والعقارات والمحال، لكن لم يرزقه الله بالولد الذي يرث كل ذلك، وهو يفكر في تبني طفل.

وكما كان توصيل هذه المعلومات الوهمية كنزاً من السماء للنادل كان أيضاً مفتاح السر لإنجاز المهمة الصعبة التي جاء رجال الشرطة من أجلها وفعلوا هذا كله لكي تتم بنجاح، وسارت الأحداث بسرعة فائقة، حيث لم تمض دقائق معدودة ووجد المعلم سعداوي أو العقيد سمير، ضحيته يأتي بقدميه إلى الشباك، رجل نحيف يرتدي ملابس غير مهندمة، من الصعب الحكم عليه إن كان عاملاً أو موظفاً، هذه المعلومات ليست مهمة، المهم أن يبدأ الحوار الذي تم التدبير له، تقدم إلى الضابط وهو الآخر أراد أن ينصب له فخاً، وخطط لذلك وله أسلوبه المعروف في استدراج من يريد الإيقاع بهم، فألقى التحية على الضابط الذي تظاهر بالانشغال وعدم الاهتمام ورد عليه من غير أن ينظر إليه، وتجرأ وقدم نفسه قائلاً اسمي «تامر» وعلمت أنك رجل أعمال في مجال المقاولات، ولدي قطعة أرض أرغب في بنائها، ويشرفني أن تساعدني في ذلك. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا