• الأحد 30 صفر 1439هـ - 19 نوفمبر 2017م

يستبشرون بحياتهم في جنات النعيم

«الشهداء» لا يموتون.. وأحياء عند ربهم يرزقون

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 27 يناير 2017

أحمد محمد (القاهرة)

بعدما توفي قتلى بدر من المسلمين، وكانوا بضعة عشر رجلاً منهم ثمانية من الأنصار، وستة من المهاجرين، وكان الناس حينها يقولون للرجل يقتل في سبيل الله، مات فلان وذهب عنه نعيم الدنيا ولذاتها، فأنزل الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ)، «سورة البقرة: الآية 154».

قال الشيخ محمد أبو زهرة في «زهرة التفاسير»، هذا ما يعد الله به تعالى نفوس المجتهدين، صبر وذكر لله، وإنه من بعد ذلك يكون القتال، ويكون الشهداء، وفي ذلك إشارة إلى أنه ليس القتال في سبيل الله شهوة ولا نزهة، ولكنه فداء وبلاء واستشهاد، وإن الشهداء لا يموتون، ولكنهم أحياء عند ربهم يرزقون، ولذا قال تعالى، ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات، بل أحياء، ولكن لا تشعرون، النهي عن القول، والقول دليل الاعتقاد، فهو نهي عن الاعتقاد، وقد صرح تعالى بالنهي عن الاعتقاد في آية أخرى في معنى هذه الآية وفي موضوعها فقال: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)، «سورة آل عمران: الآية 169»، ولكن لا تشعرون، لا تحسونهم بمرأى العين، وذلك لا يقتضي أنهم ماتوا، بل هم عند ربهم يرزقون، وأن حياتهم روحية يستبشرون بها بأنهم فدوا إخوانهم، وقدموا أنفسهم، ولقد صور النبي صلى الله عليه وسلم حياتهم قال: «إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش، فاطلع عليهم ربك اطلاعة، فقال: ماذا تبغون؟ فقالوا يا ربنا وأي شيء نبغي وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، ثم عاد عليهم بمثل هذا، فلما رأوا أنهم لا يُتركون من أن يسألوا قالوا نريد أن تردنا إلى الدار الدنيا فنقاتل في سبيلك حتى نقتل مرة أخرى، فيقول الرب جل جلاله: إني كتبت أنهم إليها لا يرجعون».

وقال صاحب المنار، كان المؤمنون في قلة من العدة والعدد، والأمم كلها مناوئة لهم، فأمرهم الله أن يستعينوا في مقاومة ذلك، وفي سائر ما يعرض لهم من المصائب بالصبر والصلاة، وعلم الله ما سيلاقيه المؤمنون في الدعوة إلى دينه وإقامته من المقاومات وتثبيط الهمم، وما يقوله لهم الناس، كيف تبذل هذه النفوس وتستهدف للقتل بمخالفة الأمم كلها، وما الغاية من قتل الإنسان نفسه، لأجل تعزيز رجل في دعوته، وغير ذلك مما كانوا يسمعونه من المنافقين والكافرين، فعلمهم الله ما يستعينون به على مجاهدة الخواطر والهواجس، ومقاومة الشبهات والوساوس، فأمر أولا بالاستعانة بالصبر والصلاة.

وقال السعدي، الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون وفرحون بما آتاهم الله من فضله، فهل أعظم من هذه الحياة المتضمنة للقرب من الله، وتمتعهم برزقه البدني في المأكولات والمشروبات اللذيذة، والرزق الروحي، وهو الفرح والاستبشار وزوال كل خوف وحزن، وهذه حياة برزخية أكمل من الحياة الدنيا، ولهذا لا يتمنى الشهداء بعدما عاينوا من ثواب الله وحسن جزائه إلا أن يُردوا إلى الدنيا، حتى يُقتلوا في سبيله مرة بعد مرة، وفي الآية دليل على نعيم البرزخ وعذابه.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا