• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

من يغفر لساحر الشرق قفزاته المطاطية فوق حكاية عرجاء؟

السوناتا المفقودة في «رماد الشرق»

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 19 يونيو 2014

على غير عادة الكتابة ... سيكون البدء بما يقهرك من غبن النص، لا بما يطمئن صاحب النص على أمنه الإبداعي...

تعرف مم تخاف؟ أن تكون الكتابات المهمة عن المأساة الفلسطينية هي نسخ تجميلية من الكتاب الأسود: “ماذا لوكنت يهودياً”؟ ليس من قبيل الاعتراض على اليهودية، أو العجز عن تفهم معاناة اليهودي الذي خرج من هولوكست محارقي يدينه الفلسطينيون قبل غيرهم، ولكن لأنك تخشى أن التعاطف مع الضحية يدخل في باب التشخيص المرضي لمتلازمة ستوكهولهم، حيث يطغى تعاطف الضحية مع الجناة كمحاولة للركون إليهم، وهو ما يبعد التقمص عن حالته الإنسانية الخالصة وينفي الحق الأخلاقي والوجودي به طالما أنه يجنح إلى التزييف، أو المصلحة، ويجعل من الضحية طعماً لمتلازمتها.. وهو ما سيقلل من قدر هذا التعاطف حتى بنظر الجلاد نفسه، الذي لن يقبل الرضوخ لمبدأ التلازم المرضي، خاصة أنه لا يعترف أصلًا بضحيته.

لينا أبوبكر

في رواية “رماد الشرق” بجزئها الثاني: “الذئب الذي نبت في البراري” للروائي الجزائري واسيني الأعرج، بدا التعاطف مع شخصية الجلاد – كونه ضحية سابقة – طاغياً على سياقها الواقعي، الذي قد يَجُبّ ما قبله، طالما أنه يؤبن ذاكرته كضحية بترسيخ ذاكرة جنائية، تفوق في استراتيجيتها الصهيونية الإيديولوجية النازية، لتصبح خليطاً من ذاكرتين مدغمتين بجريمة واحدة هي: الصهيونازية!

ثم إن التركيز على مبدأ الهجرة اليهودية إلى فلسطين والتي بدأت في أوائل القرن الماضي أي قبل محرقة هتلر، تم حصره بشخصية “راشيل” عشيقة بطل الفصل الأول: “شريف”، وإن كان عرج على الحق التاريخي لليهود بالأرض كالمسلمين والمسيحيين، فإنه يأتي بحجة الدعوة للتسامح بين الأديان، ونبذ الأحقاد التي تضع الأجيال في حروب مجانية، تبتعد عن الحقيقة التاريخية لتخوض في عنصريات اثنية وعقائدية، جاء هذا في ظل تغييب حقيقة تاريخية دامغة تبرهن أن الجلاد لم يكن ضحية بعد، وأن المؤتمر الصهيوني الأول الذي انعقد في بازل عام 1897 أقر بفلسطين وطناً قومياً لليهود، فارتكب أول إبادة نظرية، دعمها وعد بلفور، ثم تدريب العصابات الصهيونية على الأعمال الحربية، قبل ارتكاب هتلر مجزرة الهولوكست عام 1941، مما يعني أن الصهيونية سبقت النازية بفارق زمني مقداره أربعة وأربعين عاماً، كما أن المؤتمر المذكور لم يكن معتمداً على الأحقية التاريخية بالأرض، لأنه وضع خيارات أقرب إلى العبثية بين الأرجنتين أو فلسطين أو أنغولا، كأنه ينتقي سلعة جغرافية من (فاترينة) خرائطية...

حتى اللحظات التي كان يقوم فيها الروائي بتقمص شخصية المهاجرة اليهودية “راشيل” كانت أقرب إلى التبرير منها إلى الإدانة، ما دمنا نتحدث عن هوس استيطاني لم يزل يعبر عن كينونة مشروع إبادي بكل معنى الكلمة، ويكرر “راشيل” في نسخ واقعية وراهنة. وهو ما لا يعفي من يشارك فيه ولو كان لمجرد البحث عن خلاص من أزمات شخصية، دفعته للإيمان بالحلم الاستيطاني كما حدث مع راشيل في رماد الشرق… لكن المأساة أن قتل “راشيل” جاء على يد فلسطينيين متطرفين، لم يعلموا أن هذه المعلمة والممرضة كانت تتدرب على التشبث بقطار حيفا لتغادر فلسطين إلى الأبد، لأنها اكتشفت زيف الحلم، مما جعل الراوي يفاقم جرعة التعاطف معها، ويتألم لمفارقتها، ويتذكر عطر جسدها في كل اللحظات الحاسمة التي كان يحتاج لأن يبرهن بها على عبثية الصراع، وهمجيته، ولكن في حقيقة الأمر أن الحلم كان زائفا لأن “راشيل” خافت من الفلسطينيين، كما تبديه تماما تفاصيل الحدث الروائي!، فأية مجزرة روائية هذه!؟ ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف