• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

تتعرض تونس الآن لخطر كبير من نشاط فصائل إرهابية مثل «داعش»، والنسخة التونسية لتنظيم «القاعدة» المتمثل بما يسمى «كتيبة عقبة بن نافع»

تونس.. الإرهاب إلى تصعيد!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 04 يونيو 2015

تشير تقديرات غير موثّقة إلى أن نحو 3000 تونسي متورطون في القتال ضمن صفوف «الجهاديين المتطرفين» في سوريا والعراق. وهي أعلى مشاركة على المستوى العالمي وفق مقياس النسبة بين عدد المقاتلين وعدد السكان الإجمالي. وقالت مصادر حكومية تونسية: إنها منعت 12450 تونسياً من المغادرة للالتحاق بصفوف «المجاهدين» في بلدان أخرى خلال السنتين الماضيتين. وقدّر ناطق باسم وزارة العدل الليبية في تصريح أدلى به مؤخراً عدد التونسيين المتورطين في الحرب إلى جانب الفصائل الجهادية في ليبيا بنحو 2000 مقاتل.

ومعظم هؤلاء المقاتلين يخوضون الآن ما يسمونه «الحرب المقدسة» في بلدان بعيدة عن وطنهم بمجرّد أن سمعوا «نداء الجهاد» من أئمة بعض المساجد. وفي تونس، كما هي الحال في معظم دول العالم الإسلامي الأخرى، تلتئم حلقات النقاش والحوار السياسي داخل المساجد والزوايا. وكان الرئيس المعزول «زين العابدين بن علي» يدرك ذلك جيداً. وكان يحرص على التأكد من أن كل الأئمة وخطباء المساجد هم من الذين يتم تعيينهم من طرف وزارة الشؤون الدينية ويتقاضون رواتبهم منها. وكانت الوزارة تحرص على توحيد نصوص خطَب أيام الجُمَع التي يتم توزيعها عليهم.

وبالعودة قليلاً إلى الوراء، كانت حرية ممارسة الشعائر الدينية، شأنها في ذلك كشأن بقية الحريات السياسية والاجتماعية، يتم التصدي لها بأساليب وحشية أيام حكم نظام «بن علي». وكان البعض من عامة الناس يعبرون عن مشاعر الغضب والإحباط بسبب هذه الإجراءات القاسية، والتي لا تقلّ في استثارتها للغضب عن الأحاديث التي كانوا يتناقلونها في الشوارع حول الفساد المستشري في أوصال النظام الحاكم، وهي المواقف التي فجّرت النقمة الشعبية العارمة عام 2011.

وبعد اندلاع أحداث «الربيع العربي»، وصدور أحكام العفو عن السجناء السياسيين، وكان من بينهم عدد كبير من الجهاديين، وفي جو برزت فيه حالة ديمقراطية من الطراز الذي ينطوي على الغرابة، بدا وكأن التصدي للمعتقدات الدينية يعاكس الأهداف التي تفجرت الثورة من أجلها ومات في سبيلها الكثيرون. وخلال فترة الفراغ السياسي الذي أعقب هذه الأحداث، وجدت الفصائل الدينية الراديكالية فرصتها للنمو والازدهار.

وعقب الهجوم الإرهابي الدموي الذي تعرض له «متحف الباردو»، والاعتداءات المتكررة التي استهدفت قوات الأمن التونسية من طرف الإرهابيين، قررت الحكومة تصعيد حربها ضدهم. وأخذت تركز اهتمامها أكثر على المؤسسات والزوايا الدينية ذات الطابع العدائي، وأعلنت وزارة الشؤون الدينية الأسبوع الماضي عن استحداث سجل مركزي رسمي للأئمة وخطباء المساجد، ووضعت قواعد جديدة للتصدي لنشاط الجمعيات الدينية التي يعتقد أنها تساهم في تمويل الأعمال الإرهابية في الدول الأخرى. إلا أن المشكلة تكمن في غياب قوات الأمن عن بعض الأحياء التي ينشط فيها «الجهاديون» ويطلقون منها دعواتهم. وكثيراً ما يجول هؤلاء «الأدعياء» وهم على رأس أتباعهم، في هذه الأحياء الآمنة، لدعوة الناس إلى الجهاد من دون أن يتعرضوا لتصدّي رجال الأمن لهم، وبما يتيح لهم الفرصة لأن يعتدوا على أي إنسان يعتقدون أنه يمارس أعمالاً مخالفة للتعاليم الإسلامية. ومن هذه الأحياء، «حي التضامن» في العاصمة التونسية الذي يبعد بضعة كيلومترات عن «متحف الباردو»، وتغيب عنه قوات الأمن تماماً بما يفسح المجال «للسلفيين» للهيمنة على هذا المجتمع المعزول من أجل تحقيق مآربهم وأهدافهم.

ويمكن القول: إن تونس تتعرض الآن لخطر كبير من نشاط فصائل إرهابية مثل تنظيم «داعش»، والنسخة التونسية لتنظيم «القاعدة» المتمثل بما يسمى «كتيبة عقبة بن نافع»، وكلاهما يسعى إلى تجنيد أكبر عدد من الإرهابيين الجدد من أوساط الشبّان الفقراء صغار السنّ المغرّر بهم. وفي ضواحي المدن والتجمعات السكانية المعزولة، أصبح الناس الذين يعيشون على الهامش من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، يرفضون رفضاً باتاً أي نظام للحكم يخالف ما ورد في تعاليم القرآن الكريم وفقاً لتفسيرهم لها. ويعتقدون أن مثل هذا النظام لا يمكن أن يُعدّ إلا تكريساً لاستبداد المرتدّين والكفّار، ولن يلقى الترحيب في أوساط الشعب.

وهكذا ظهرت فجوة واسعة تفصل بين «تونسين». وهي فجوة لا يمكن ردمها بإقدام أحد الطرفين على الإغلاق القسري للزوايا وأماكن العبادة التي يرتادها الطرف الآخر. ويمكن القول أن الثورة التونسية لا زالت تُعدّ إنجازاً مستمراً. وهي تحتاج الآن للاهتمام بالتجمعات السكانية التي سمحت لها تلك الثورة بالانتفاض على النظام الذي أدى إلى عزلها. ولو حدث غير هذا، فسوف تتكرس هجرة الغاضبين والساخطين إلى ساحات الوغى الجهادية المخضّبة بالدماء.

سيمون سبيكمان كوردال

*ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا