• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

ماذا لو رسمها دا فنشي في زمن الكآبة والدواعش والنفط الأسود..؟

نحتاج دوماً إلى ابتسامتها

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 04 يونيو 2015

د. أم الزين المسكيني

ابتسامة الجوكندا؛ أسطورة من أساطير الفنّ التشكيلي العالمي، ما انفكّت منذ خمسة عقود من الزمن تُغري بالرسم وبالحكي وبالحلم أيضا. لكنّها تظلّ وحيدة هي وابتسامتها معلّقة على غبار الصمت، ترقب هسهسة العناكب السوداء وتبعثر رماد ألوانها على قلوب المتطفّلين. الجوكندا تحمل أسماء عديدة، مثلنا تماما، تحملنا الرياح حيثما تشتهي السفن الحربية والأجندات المافيوزية.. هي الجوكندا وهي الموناليزا وهي فلورنتين.. هي اسم للوردة تسكن حديقتها جيّدا وتدير شأن ابتسامتها في سكينة وصفاء إلهيين. نحن أيضا نملك أسماء متعدّدة.. لكنّنا لا نتقن سكنى أسمائنا جيّداً كما أنّنا لم نبدأ بعدُ في العناية بحدائقنا. لكنّنا محكومون بالابتسامة وبتحرير الورود حيث لا ذنب على الورود. إنّها تذكر جيّدا تاريخ غزوها للوحة واستقرارها في حضن ألوان ليوناردو دا فنشي (1452-1519) الذي قضّى أكثر من ثلاث سنوات (1503 - 1506) في رسمها. هي تذكر تاريخها وتستأنف جغرافيّتها التشكيلية في ابتسامة خالدة، أمّا نحن فلا كنّا متذكّرين جيّدين لتاريخنا ولا صرنا شعوبا جديرين بتحصين أسوارنا: بينها وبيننا نقطة تقاطع غامضة لكنّ ابتسامتها البعيدة تغرينا بالعبور إلى مشهد آخر.

ابتسامة الجوكندا تلفّك وأنت تحمل ضبابك مع كل المارّين منك إلى العالم وتدفع بك إلى عالم آخر: حيثما يسقط العالم بين يديك يعلو عالمها شامخا أبيّا: المرأة والابتسامة والنظرة من عل واليد التي تعانق اليد والسكينة التي تحتضن الجميع. مشهد جبلي شاهق الأغوار وأفق بعيد والأخضر القاتم وشعاع الشمس قبل أن تُصاب طبقة الأوزون بالثقوب النووية.. هي تلاحقك حيثما حللت.. تحاصرك بيديها وتسحرك بنظرتها وتغريك بغموض ابتسامتها.. لكنّك لن تدرك أبدا ما الذي تُخبّئه لك في ابتسامتها.. ولن تدرك إن كانت تبتسم لك أم لغيرك أم هي لا تبتسم لأيّ أحد أصلا. إنّ ابتسامتها تمنحك الرؤية حيث أصيب عالمك بغموض الرؤية وبتعثّر الأفق بين حاجبيك. تمهّل وأنت تحاكيها ضحكا ربّما لن تظفر بغير الصدى، أنت الذي جئت إليها طالبا تسريح المدى المعتقل بين يديك. أمّا عن نظرتها التي حيّرت كل النقّاد على مرّ العصور فقد رُسمت على إيقاع هندسي وحسابات رياضية دقيقة. إذ إنّ رسّامها ليوناردو دا فنشي كان يرسم بريشة عالم الرياضيات جاعلا من فن الرسم علما إلهيا في شرف علم الرياضيات نفسه. لقد أراد أن يجعل من الابتسامة رسما رياضيا دقيقا. كما لو كان بوسعنا أن نحسب ابتسامتنا أيضا لو اقتضى الأمر أن نبتسم غصبا عمّا يحدث.. أمّا ليوناردو دا فنشي فقد كان لا يرسم إلاّ وهو واقف على مقربة من رسمه دون أن يحدّق فيه تماما. فالرسّام الجيّد لا يرسم إلاّ بذاكرة قصيرة الأمد، خشية أن يضيّع ما رسم. لقد رسم دا فنشي الإيطالي لوحة الجوكندا في عزّ الظهيرة كما لو كان يقتنص كل الشمس القادمة من قلب مدينة فلورنسا بأفراحها وكنائسها وحقول فلاّحيها. كان يقصد فعلا رسم ابتسامة تخزّن في تضاريسها اللطيفة نهارا آخر.

كلّ شيء تحت ألوان دا فنشي العالم الرياضي يمكن رسمه بالبركار والمسطرة حتى الابتسامة. فهو يقيس كل شيء من أجل رسم يحاكي نموذجه. ومن أجل محاكاة الابتسامة على شفاه جوكندا كان يحسب بدقّة عرض الفم وطوله، يقول في كتابه المعروف رسالة في فنّ الرسم: «إنّ عرض الفم في وجه جميل يساوي المسافة الفاصلة بين الشفاه والذقن». يقتضي فنّ الرسم إذن عينا خاصّة لالتقاط المشاهد هي عين لا ترى فقط بل هي على حدّ قول دا فنشي تملك «عشرة وظائف: هي الظلمات والنور والحجم واللون والشكل والموقع والمسافة والقرب والحركة والسكون». إنّ الجوكندا قد رُسمت من طرف دي فنشي عن قرب شديد. لقد أرادها قريبة من العين وقريبة من القلب أيضا. ثمّة إذن محبّة غامضة بين الرسّام وما يرسم. فكل شيء جميل إنّما يُقدّ بحبّ كبير. لذلك لم يكن دا فنشي ليبرح الجوكندا من أجل أن تكون شبيهة جدّا بالنموذج. وهو ما كتبه قائلا: «لو رأيت شكلًا مرسوما في حجم طبيعي فلتعلم أنّه قد وقع تصوّره عن قرب من العين».

ولأنّها قريبة من العين فابتسامتها تراك حتى تكاد تلمسك لمساً. وأمّا لو خطر ببالك هزلا أن تربك ابتسامة الجوكندا أو أن تبعثر عالمها فحاول أن تحدّق بها جيّدا. حينها سوف تضطرّ إلى التغيير من موقفك لأنّها ستظلّ ترمقك ساخرة من قصر قامتك ومن قصر قامة نظرك... ستهمس إلى صمتها فيك «أن اصعد كي ترى الدنيا».. عليك حينها أن تختار بين أن تهرب أو أن تصعد فتسقط لتوّك من فرط علوّ المكان. ستدرك حينها أنّه يلزمك كي تكون في حجمها روحا شاهقة وابتسامة مكتظّة بالأحلام. وإن أردت أن تهرب فاعلم أنّك محكوم بالبقاء في هذا العالم ولن تهرب منه إلى أيّ مكان فأنت لا تملك بديلاً آخر عنه غيره. فانظر إلى جهة أخرى وابتكر ابتسامة أكثر اقتدارا على اختراع الحياة.

بمن تحدّق الموناليزا؟ ولمن تبتسم؟ هذه الأمّ الجذلى بأمومتها والمرأة الولاّدة الحبلى على الدوام بحكاياتها.. عمّن تكتم ضحكتها؟عن مشاهد عابر جاء إليها فارغ العينين إلاّ من تطفّل أبله؟ أم عن الرسّام دي فنشي الذي اصطفاها كي تكون بطلة تشكيلية خالدة؟ وقد تبدو فلورنتين سعيدة بقدرها الاستثنائي حيث يقرّر الرسّام التحوّل عن رسم المسيح والعذراء وعن سكنى الكنائس القديمة من أجل رسم الوجه البشري والبشري جدّا... وقد تكون الجوكندا قد ابتسمت ابتسامة الحياء من الرسّام حيث كان الحياء قيمة نبيلة.

وماذا لو كانت نظرتها تحدّق بما لا نراه أمامنا في حين تندفع نظراتنا إلى المشهد من ورائها. هي تشير علينا بأن نتّبع الخيط الرهيف الذي ترسمه بعينيها وتنادينا همسا أن «انظروا إلى الأمام قدر المستطاع». هذا الأمام لا شيء يبتكره غير الابتسامة... فحيثما بسطت نظرك بعيدا إلاّ وأطلقت سراح المدى. ومع كل ابتسامة ثمّة دوما متّسع للقلب وللعين وللفرح. إنّ ابتسامة الجوكندا إنّما تحدّق عاليا بالأفق الساكن في عينيك وتشير عليك باختراع الفراغ بدلا عن مشهد الدمار من حولك. فالفراغ أجمل من سوق الخردة حينما يصير اسما للمدينة. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف