• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

الغناء في روايات سعودية

سحر الشجن

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 04 يونيو 2015

نبيل سليمان

تعكس الروايات التي تمت قراءتها هنا متغيرات الحياة في المجتمع السعودي، سواء من خلال الشخوص وما يحدث لها من نمو أو من خلال الوصف والسرد الذي يكاد يكون في بعض الأوقات عدسة فوتوغرافية للمكان التي تجري فيه أحداث الرواية، كما في وصف بدرية البشر للحي الذي تعيش فيه البطلة.. ويأتي الغناء في أحيان كثيرة ليكمل الصورة او يكون معادلاً لمشاعر الاغتراب والحزن والتشظي والحب وخيباته، ومراراته، وشوقه، وعذاباته، فضلاً عن كونه حاملاً تعبيرياً لما يمور في داخل الشخصية من مشاعر وأحاسيس.

غراميات شارع الأعشى

تضارع رواية بدرية البشر (غراميات شارع الأعشى- 1013)، مألوف رواية الحارة (رحم الله نجيب محفوظ). وقد حملت الحارة هنا اسم الشارع، وأشبهت صندوق الدنيا.

ومنذ البداية تظهر الراوية عزيزة حالمة بعالم مثل الأفلام المصرية التي تتابعها على تلفزيون المنزل (الأسود والأبيض). ومع عزيزة تحضر سعاد حسني بخاصة، فيحضر الغناء والرقص. وكانت عزيزة المراهقة تقيم على سطح البيت مسرحاً لبنات الجيران، وتلتف بوشاح أسود، وتمشي متمايلة وقد عقدت شالاً على الحوض، وهي ترقص وتغني (خللي بالك من زوزو). وحين تطلب زميلاتها أغنية (عتاب) لعبد الحليم حافظ، بينما يشاركن في الغناء والرقص، تغني عزيزة (جاني الأسمر جاني). وإذا كانت أم عزيزة لا تفرق بين فيروز ونجاة الصغيرة، فوالدها مولع بنجاة الصغيرة. وعزيزة تلبس حذاءها المذهب، وتقلد طريقة سعاد حسني وهي تغني (ياواد ياتقيل يامجنني). وسوف تتخيل، وهي مع الدكتور أحمد، الراقصة سامية جمال تتلوى، وفريد الأطرش يغني (جميل جمال مالوش مثال). أما صوت الدكتور أحمد نفسه فتراه عزيزة يحوم فوق رأسها مثل أغنية مصرية في فيلم سهرة الخميس. على هذا النحو يبدو الغناء كاشفاً للأعماق ومثيراً لها في آن، على اختلاف الأهواء والأعمار، فهو عنصر روائي مكين في رسم الشخصية الروائية، سواء أكانت الأداة هي الراديو أم آلة التسجيل والكاسيت أم التيلفزيون. فصوت فيروز هو ما ينظم لعزيزة صباحها وموعد المدرسة، ليلي صوت نجاة الصغيرة الذي «يتهادى مثل مركب فوق النيل» وفي راديو والد عزيزة، ينطلق بعد أخبار الظهيرة، صوت عبدالله محمد ليملأ فضاء البيت العامر بالشمس: «هيجت ذكراك حبي واستبد بي الأنين». والراديو هو أداة ابن الجيران سعد في الغزل، إذ يطلق الصوت ليحمل لابنة الجيران عواطف رسالة العاشق المشبوبة: «يا ظالم جمالك اكشف برقعك». كما يطلق سعد صوت طلال مداح بالأغنية التي تشبه وشوشة قلب العاشق (عْطني المحبة).

مع قدوم وضحى وأولادها إلى الحارة، حيث يلجئها والد عزيزة، سيكون للغناء في الحارة– الرواية شأن أكبر. ومن ذلك غناء وضحى مطالع قصائد لشعراء نبط مشهورين. ومن ذلك أن أم جزاع دقت على كفها مثل دف سامري، وتمايلت بجسدها وهي تغني، حين رددت وضحى مطلع قصيدة (ياجرّ قلبي جراً لدنا الغصون/ وغصوني جرها السيل جراً)، واندمجت المرأتان في الغناء السامري، ثم أخذتا تقهقهان. وهذا متعب ابن وضحى يقلد صوت العود بلسانه ويغني (دلنق دلننق مليح القد والقامة/ عسى الله يسعد أيامه). وينادي متعب أمه بريم وادي ثقيف، مذكراً بالأغنية الشهيرة، وسيلحف حتى تيسر له شراء محل لنسخ وبيع كاسيتات أغاني المطربين الرائجين: طاهر الأحسائي وحجاب وطارق عبد الحكيم وفوزي محسون والشابين الصاعدين محمد عبده وطلال مداح. وستتردد على متعب نساء يعملن في مجال الغناء في الأعراس، يمازحنه ويطمعن في خدماته بثمن مؤجل.

لجيران عزيزة ولعهم بالغناء أيضاً، فحسنية يغضبها أن زوجها مسعود عاشق لسميرة توفيق، إذ يخرس كل من في البيت حين تغني في التلفزيون (بالله صبوا هالقهوة وزيدوها هيل). ويدوخ في عذابات أشواقه عندما تقوم المطربة بحركتها الشهيرة، فتغمز بعينها بينما تقترب الكايرا من خدها. وتقول حسنية: إن زوجها يدللها فيناديها (سمورة قلبي) ويرسل الحسرة: (ياليت أهلش سمّوش سميرة). ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف