• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

حكي صور

طلقة في الضباب

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 04 يونيو 2015

إبراهيم الملا

كانت الفكرة فائضة، وكان على الرجل أن يستريح ويعتزل، فلم تعد هناك أرض تحتمل أية بطولة، لم يعد سوى الخراب مشرعا مثل حقل أسود، تتصادم فيه شرارات خافتة بأصوات تتكسّر فوق بعضها ثم تهيم وتتلاشى... في ذلك الفراغ البارد والعميق.

كان الضباب كثيفا، وكان الرجل الوحيد على كرسيّه يلمّع مسدسه ولا يتنبه لشيء آخر في الوجود، لم ينتبه سوى لشكل المسدس وثقله المعدني في راحة يده، لم يتجوّل كثيرا في الأنحاء، ولم يستمع لصوت العصافير النافقة وهي تسقط مثل نيازك في ليل قديم، كان عارما ومهيبا بقامته المحتشدة في الرذاذ الجارح، وكان أشد لمعانا من المسدّس، خصوصا وأن الضباب المعتم كان يتزحزح ويتشتت قرب هذه الهيبة المشعة بحرارة الحواسّ.

لم ينتظر النهار، ولم يكن الليل سوى عبور رمادي في أشد بقعة سواد على هذا الكوكب، لم يصرخ الرجل، ولم يكن الذئب النائم فيه مهيئا للعواء، لم يتأفّف، كان مسترخيا مثل بحيرة، ومثل ناسك أعمى.. كان ينزّه بصيرته، في مسالك فجر لا يتنفّس، ولكن مع هبوب رائحة عطرية غريبة، ارتجّ الضباب قليلا، وأخذ الرجل ولأول مرة في الالتفات، كان الطيف الملائكي لتلك المرأة المستحيلة، عابرا في السراب، وذائبا في نزوات حارقة، لم تعد مجدية الآن، مع هذا الانطفاء الأخير لرجل ضالع في الشجن.

سقطت قطرة من لا مكان، من بقعة منسية في السماء ربّما، اهتزت اليراعات النائمة في الحقل القريب، أخذ الضباب في التزحزح، وانحسر الغبش عن شواهد رمادية لبضعة قبور، على أحدها وردة برونزية مغروسة على عجل، وحواليها نثار البارود، لم تكن الرائحة عطرية تماما، كانت هناك أيضا روائح لأعضاء بشرية متفسخة، ومختلطة هي الأخرى بالهواء، كانت الروائح تتحرك بثقل يشبه انزياح قارّة بأكملها.

رجع الرجل لهدوئه المعتاد، فاستقبال مثل هذه الروائح أصبحت عادة يومية لذاكرة محطّمة، ولم تعد حواسه قادرة على الالتفات لها كما في السابق.

التحم الضباب مرّة أخرى، في هذه البقعة المأهولة بالرعب والغرابة، حاول الرجل النوم، وكان يضع مسدسه قرب رأسه كي يطرد الكوابيس المتصادمة في نومه وكأنها حشرات معدنية. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف