• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

التراث الإنساني.. ومآلات استثمار أدواته الحديثة

كيف السبيل إلى الابتكار الثقافي؟!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 04 يونيو 2015

أتذكر جيداً.. كيف أبدى المثقفون تحفظهم أثناء سؤالهم عن مفهوم (التراث الحديث).. متسائلين عن معنى أن يكون التراث حديثاً، وهل أجري بحثٌ علمي يستوفي ذلك المصطلح بأبعاده الثقافية. واللافت أن مفردة (الحديث)، بالتوازي مع مفردة (التراث)، شكلتا ابتكاراً في الحوار الثقافي الذي جمع «الاتحاد الثقافي» والباحثين والمثقفين أنفسهم، كمنتجين للفكر، ومتفاعلين مع الحالة الثقافية المجتمعية. فالسؤال عن كيفية الابتكار الثقافي، يحتاج لإعادة صياغة التساؤلات حول أدوات استثمار المخزون التاريخي والمعرفي، إلى جانب طرح فلسفة (الحديث). فالسؤال عن (الحديث) يقودنا عملياً لمنطقة الإنتاج الثقافي الحالية، والتي بدورها ستتأهب خلال المرحلة الزمنية القادمة، لتجسيد رؤيتنا لمعنى التراث، ذلك أن الانتقال من منظومة إحياء التراث، إلى المشاركة في إنتاجه، يمثل المؤشر الأهم لدور «المؤسساتية» التعليمية والثقافية، بل ومعياراً استراتيجياً يقيم عملها ونشاطها في ميدان الإثراء الثقافي.

النهوض بممارسة التراث

جاء اختيار (التراث)، ومخرجاته المحلية تحديداً، بوصفه أهم مكونات وأدوات الابتكار الثقافي، ومن هنا تتبدى مشروعية مناقشة وسائل تفعيله، مع المهتمين والمتخصصين، لما يحمله من حضارة إنسانية غنية، قادرة على مخاطبة الثقافات بأنواعها، عبر إيصالها لمدى الحساسية الفريدة للبيئة التي صُنعت فيها. وبالعودة إلى التجليات المختلفة لسؤال التراث، فإن الإجابات تمركزت بشكل دائم، حول أهمية التوثيق، كونه عصب الهوية، والتعريف العلمي لماهية الذاكرة، بينما ظل البحث في عمقها، وماهية استثمارها، وآليات قراءة إيقاع المشهد التراثي فيها، وامتداده إلى مرحلة إنتاج التراث وإعادة إنتاجه، هو المفارقة النسبية لتحقيق هدفنا نحو ما يمكن أن نؤمن بأهميته كممارسة حضارية وهو «الابتكار الثقافي».

والخوض في مسألة المعرفة بالتراث الإنساني، ينقصه فهمنا الشامل لمصطلح التراث، فهو بطبيعة الحال يتضمن الطقوس المجتمعية أو العادات والتقاليد أو التفاصيل الشعبية في ملامح الحياة المختلفة، ولكنه بنفس الوقت يتجاوزها وصولاً إلى «الإرث الفكري والروحي»، والذي بدوره يمثل تحولات رؤية الأفراد لأنفسهم ولذواتهم، وما يمكننا اختزاله في تلك الأدوار التي لعبها التراث في تشكيل إنسان المنطقة المحلية، خاصة أننا نعاني فجوة بين اكتشاف التراث وتطويره، وبين هشاشة ما ندّعي أنه تراث. ومن بين أبرز الحلول العملية الأسمى، لتلك الفجوة في الوقت الحالي، هو النهوض بمعنى ممارسة إنتاج التراث، بإتاحة أكبر فرصة للطفل، للاتصال ببيئته الطبيعية مجدداً، والتعرف عليها، باعتبار أنه يمتلك الاستعداد الكامل لابتكار حالته الخاصة، والتي ستهيئ مع الوقت تراكماً معرفياً تم استخلاصه من عناصر البيئة المحلية كمنتوجات للتراث، إذاً.. كيف السبيل لإعادة الاتصال بالبيئة (الطبيعة)، كونها المصدر الكوني للإنتاج الإنساني؟

هنا.. يرى الروائي علي أبو الريش أن التراث يتجلى في تبعات اللغة، في تلك الأبجدية العربية، فالتراث بالنسبة له يتحدث عبر اللغة، كأفق الشمس البعيدة، أليست هي الأخرى لها لغتها الخاصة، قالها وهو متسائلاً عن معنى التراث: «لستُ مقتنعاً بمفهوم الحديث»، التراث بالنسبة له واحد، ومتوارث، من الأجداد إلى الآباء وصولاً إلى الأبناء. إنه الذاكرة المليئة باللحظة، وعناوين الإبداع المعنوي والثقافي والاجتماعي، يمتنع عن قول «الحديث» لسبب آخر أيضاً، وهو أنه قَفز وحرْق للمراحل، وإذا ما احتجنا للجديد، فسيكون بطبيعة الأمر من خلال التراث نفسه، الذي يجب أن لا يخبو، وأن لا يعيش سباتاً عميقاً، متجاوزاً فصل الشتاء والصيف معاً، فقد حان لربيع التراث أن يجعلنا نكتشف ذواتنا، متجاوزين تهميش الأنا، والشعور بالدونية الغليظة، والتراث كقوة حضارية يستطيع أن يجعلنا، أكثر قبولاً لذواتنا، من خلال فهمنا، لمخزوننا الحضاري، ورغم كل إنتاجاته في أدب التراث، يؤمن أبو الريش بالتراث كذاكرة، كيف يمكن أن يعيش إنسان، دونما لحظة مروية، إنها التكوين للقيم، ولسان حال المجتمع.

إعادة صياغة الداخل ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف