• الجمعة 02 محرم 1439هـ - 22 سبتمبر 2017م

«سان سوكي» ومأساة الروهينجا

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 17 سبتمبر 2017

جوشوا كيرلانتزيك*

ميانمار دولة تدار في الوقت الراهن، بشكل أساسي، من طرف امرأة كانت تعتبر من أكثر الناشطات في المجال الإنساني نيلاً للثناء في الغرب، فضلاً عن كونها حاصلة على جائزة نوبل للسلام، وكانت تعتبر رمزاً من رموز الديمقراطية في بلادها. وهذه المرأة، وهي «أونج سان سوكي»، التي تقود الحزب الحاكم البلاد، تعرضت للقمع لأكثر من عقدين من الزمن، وعانت من الإقامة الجبرية الطويلة في منزلها، من دون أن تفكر في مغادرة البلاد، أو تتخلى عن سعيها لإجراء انتخابات حرة فيها.

ولكن منذ تولى حزبها السلطة في العام الماضي، رأينا سان سوكي -الزعيمة الفعلية للبلاد، مع أنها ليست رئيسة بصفة رسمية- وهي تقف مكتوفة اليدين، أمام مشاهد ذبح وفرار مئات الآلاف من عرقية الروهينجا، وهي أقلية مسلمة، يربو تعدادها على مليون نسمة.

وقد أشارت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، ومنظمة العفو الدولية وغيرهما من المنظمات، إلى عمليات طرد واسعة للروهينجا من المدن، وحملات حرق قرى بأكملها، وعمليات قتل يقوم بها الجيش في ميانمار. وفي الأسابيع الأخيرة وحدها، فر نحو 370000 شخص من الروهينجا إلى بنجلاديش، وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة. ووصف رئيس مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في تقرير له الحملة في راخين بأنها «مثال نموذجي لعمليات التطهير العرقى».

وخلال ذلك كله أصرت سان سوكي على عدم النظر في الأزمة، بل ولم تقم حتى الآن بزيارة مناطق أعمال العنف، وامتنعت في تصريحاتها العلنية عن توجيه أي انتقاد لجيشها. وفي هذا الشهر، زعمت أن هناك «جبلاً من التضليل» حول حقيقة الوضع في «راخين»، كما سخر مكتبها مما وصفه بـ«الأخبار الوهمية» التي تذاع عن محنة الروهينجا. والسؤال هنا هو: لماذا أصبحت هذه المرأة التي حققت لبلدها قدراً من الانفتاح، متواطئة في هذا القبح؟ هناك عدة أسباب محتملة ومتداخلة مع بعضها بعضاً أدت لذلك منها:

أولًا، أن الصمت الحالي لسان سوكي، يتسق مع نهجها تجاه الروهينجا المستمر منذ سنوات. فهي لم تظهر أبداً تعاطفاً كبيراً تجاه هذه الأقلية العرقية. وفي الحملة الانتخابية التي سبقت انتخابات نوفمبر 2015، حاولت جاهدة تجنب مناقشة العنف في مقاطعة «راخين»، وطلبت من الصحفيين «عدم المبالغة» في الحديث عن الصعوبات التي تواجه هذه الأقلية.

ثانياً، قد ترى سان سوكي، أن قدرتها على وقف الحملة العسكرية الوحشية في ولاية «راخين» محدودة. فعلى رغم أنها رئيسة الحكومة بحكم الأمر الواقع، إلا أن كبير الجنرالات وهو «مين أونج هلينج» يتمتع بدرجة كبيرة من السلطة والنفوذ في البلاد، علاوة على أن دستور البلاد يمنح القوات المسلحة حق السيطرة على الميزانية العسكرية، وعلى الوزارات ذات الصلة بالشؤون الأمنية، كما يخصص لأعضائها أيضاً 25 في المئة من إجمالي المقاعد في البرلمان. ولهذه الأسباب كلها قد ترى سان سوكي أن من غير العملي إضاعة رأس المال السياسي الذي تتمتع به، في تحدي الجيش، على قضية لا يهتم بها الكثير من أفراد حزبها في الأصل. ثالثاً، أن الضغط الخارجي الواقع عليها، لوضع حد لأزمة الروهينجا ربما جعلها -وهي الشخصية العنيدة في الأصل- أكثر عناداً. ويؤكد ذلك ما أشار إليه «فيرجال كين»، مؤرخ سيرتها لإذاعة «بي بي سي» منذ مدة طويلة، من أنه في شهر ديسمبر الماضي، عندما حثّ «فيجى نامبيار»، الممثل الخاص للأمم المتحدة لدى ميانمار، سان سوكي على زيارة ولاية «راخين»، فإنها لم تتردد في رفض الطلب على الفور، لأنها، كما قال أحد مستشاريها، لا تريد أن ينظر إليها على أنها تتبع أوامر خارجية. رابعاً، ربما ترى سان سوكي في الوقت نفسه، أنه على رغم الانتقادات الموجهة إليها بسبب طريقة تعاملها مع أزمة الروهينجا، إلا أن معظم الحكومات الأجنبية القوية، لن تلجأ إلى فرض عقوبات على ميانمار جراء ذلك. ومن الأدلة التي تعزز هذا الاعتقاد لديها أن البيت الأبيض قد أصدر بياناً فى الأسبوع الماضي أشار إلى أنه «يشعر بقلق عميق» بسبب أعمال العنف فى «راخين»، ولكنه لم يفعل شيئاً يذكر. كما وقفت دلهي أيضاً إلى جانب سان سوكي في إدانة الجماعات المسلحة التي وصفتها بالإرهابية التابعة للروهينجا، كما ألقت الصين من جانبها باللائمة على مسلحي الروهينجا، في اشتعال أعمال العنف في البلاد. وبالنظر إلى مكانتها، وتاريخها، ونفوذها في ميانمار، فإن لا مبالاة سان سوكي، أدت إلى تفاقم الأوضاع في إقليم «راخين»، كما قلصت أيضاً من قدرة منظمات الإغاثة على إرسال أعضائها لمواقع الصراع، وحدت من قدرتها كذلك على جمع الأموال اللازمة لمساعدة الروهينجا. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا