• الجمعة 02 محرم 1439هـ - 22 سبتمبر 2017م

تحسن النمو الاقتصادي.. سلاح «كيم» السري

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 17 سبتمبر 2017

ديفيد فولودزكو*

مع إقرار منظمة الأمم المتحدة تطبيق حزمة جديدة من العقوبات على كوريا الشمالية بسبب استفزازاتها النووية الأخيرة، يصبح من الجدير أن نتساءل عن سبب فشل تلك السلسلة من العقوبات المتلاحقة التي فرضت عليها خلال أكثر من عقد من الزمن. ويتعلق أحد الأسباب التي قد تجيب عن هذا السؤال بكون اقتصاد كوريا الشمالية ينمو بسرعة تفوق ما يرقى إلى مسامعنا، أو ما نعرفه عنه. ويمكن لهذه الحقيقة أن تزيد من صعوبة إكراهها على تغيير سلوكها عن طريق إقامة الحواجز التجارية في وجهها.

ويستند التوجه الراهن إلى فرض عقوبات جديدة على بيونج يانج على الافتراض القائل بأن اقتصاد كوريا الشمالية لا يشكل أكثر من كابوس يجسّد فشل الأنظمة الاشتراكية، إلا أن هذا الطرح لم يعد يمثل الحقيقة الكاملة. وعلى رغم أن كوريا الشمالية لا تزال تصنف ضمن الدول الفقيرة، إلا أن ناتجها المحلي الإجمالي نما بمعدل يُقدّر بنحو 3.9 في المئة خلال عام 2016 حتى بلغ 28.5 مليار دولار، وهو النمو الأعلى منذ 17 عاماً. وارتفعت قيمة الأجور والرواتب بسرعة حتى أصبح نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي يقارن بما هو عليه في دولة رواندا الأفريقية التي تعد مثالاً يحتذى به في هذا الصدد.

ويعود هذا التطور بشكل جزئي لاستمرار التجارة مع الصين التي امتنعت بإصرار عن قطع العلاقات التجارية مع جارتها الكورية على رغم المناشدات العالمية المتكررة بتشديد العقوبات ضدها. وبعد أن وافقت الصين في شهر فبراير الماضي على قرار حظر استيراد الفحم الحجري من كوريا الشمالية، إلا أن وارداتها من الحديد الكوري الشمالي ارتفعت بشكل كبير للدرجة التي أسهمت في رفع حجم التجارة البينية بين البلدين بنسبة 10.5 في المئة خلال النصف الأول من العام الجاري حتى بلغ 2.25 مليار دولار.

ومما ساعد على هذا التحسن أن الإصلاحات الاقتصادية في كوريا الشمالية التي تم الإعلان عنها عام 2011، بدأت تطرح ثمارها، وهي التي سمحت لأرباب المصانع بوضع سلّم مناسب للأجور والرواتب والبحث الحرّ عن ممونيهم بالمواد الأولية، وأطلقت أيديهم في تعيين الموظفين الجدد. وتم استبدال نظام الزراعة التعاونية بنظام الملكية العائلية للمزارع، وبما أدى إلى زيادة الإنتاج الزراعي بشكل مفاجئ وكبير. كما أن الحكومة بدأت تتسامح مع انطلاق عدد محدود من المشاريع التجارية والصناعية العائدة للقطاع الخاص.

وكانت نتائج هذه التطورات باهرة. والآن، بات في وسعك أن ترى الكثير من البائعين المتجولين وهم يجوبون شوارع بيونج يانج بعد أن كان وجودهم نادراً قبل بضع سنوات. ويمكنك أن تلمس في بعض الضواحي الراقية الانتشار المتسارع للماركات العالمية الشهيرة ومحال السوبرماركت الضخمة ودور الموضة والأزياء والشوارع الملأى بسيارات مرسيدس وبي إم دبليو. وعلى رغم أن حكومة بيونج يانج لا تزال تردد نكرانها التخلي عن النظام الاشتراكي القديم، إلا أن الدلائل التي تشير إلى عكس ذلك أصبحت قائمة لا تخطئها العين. وتشير تقديرات حديثة إلى أن القطاع الخاص في كوريا الشمالية أصبح يمتلك نصف الناتج المحلي الإجمالي.

وإذا كان صحيحاً أن كوريا الشمالية لا تزال تعاني انتشار الفقر، إلا أن تطوراً بسيطاً في الأساليب الزراعية وإدارة الكوارث الطبيعية يمكن أن يكون كافياً لإطلاق مرحلة جديدة من النمو. ودليل ذلك أن المكاسب الضخمة في الناتج المحلي الإجمالي التي تحققت في العام الماضي 2016 جاءت بسبب التعافي من أسوأ فصل جفاف شهدته كوريا الشمالية عام 2015. وأما بالنسبة لمواطنيها العاديين فرفع مستوى معيشتهم خبر طيّب إلى أبعد الحدود.

وفيما يتعلق بجدوى العقوبات الجديدة، فالأمر يتطلب الانتظار لسنوات طويلة قبل أن تتمكن تلك العقوبات من إصابة الاقتصاد الكوري الشمالي بالضرر المطلوب والكافي لدفع الحكومة لتغيير سلوكها. وحتى يحين ذلك الوقت، فستكون أيديولوجية الاعتماد على الذات التي تنتهجها بيونج يانج قد حققت النجاح المرجو منها. وينظر ديكتاتور كوريا الشمالية كيم جونج أون إلى نفسه على أنه يرتقي إلى مراتب زعماء مشاهير من أمثال رئيس كوريا الجنوبية الأسبق «بارك تشونج- هي» والقائد الصيني الشهير «دينج زياوبينج»، ويرى في نفسه الإصلاحي الاقتصادي ذا القبضة الحديدية. وعلى رغم انتهاكات «بارك» لحقوق الإنسان، إلا أنه لا يزال يحتفظ بسيرته الطيبة في نفوس الكوريين الجنوبيين بسبب إنجازاته الكبرى في تطوير الاقتصاد. ويعود لـ«دينج» فضل تحويل الصين إلى اقتصاد عالمي من الدرجة الأولى. ولو تمكن «كيم أون» من تجاوز الأزمة القائمة مع الولايات المتحدة بسلام، فقد يستأثر بشهرة سياسية لا تقل عن تلك التي استأثر بها كل من «بارك» و«دينج».

* محلل أميركي متخصص بالسياسات الآسيوية

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا