• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

إعادة صياغة المثل الدينية الموروثة، مهمة إصلاحية ملحّة، [تتطلب] أن يكون الدين رافداً في إرساء تنمية مستدامة

الوعي الأخلاقي.. والتجديد الديني

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 16 يناير 2015

ينطلق المؤلف محمد عودة برهومة في كتابه: «الوعي الأخلاقي ودوره في الإصلاح الديني» الصادر عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، من فرضية عمل مؤداها أن «أحد معوقات التقدم والنهوض العربي والإسلامي أن القيم السائدة في مجتمعاتنا لا تساعد على الإبداع والحرية والإنتاج، ولا تؤسس في حالتها القائمة، نظاماً أخلاقياً منظماً ومتسقاً وغير مضطرب القواعد والمعايير، يصلح أن يكون سنداً لإقلاع حضاري، لا سبباً في تأخيره»، وانطلاقاً من هذا الافتراض يسعى الكاتب لمقاربة الكيفية التي تؤثر بها الأخلاق في تشكيل عقلية إيجابية منتجة قادرة على لعب دور فاعل ضمن وعي جمعي عام مؤهل لبناء مشروع حضاري طموح.

ويرى الكاتب أن الأنساق الدينية، في تمثلاتها وتأويلاتها، وفي كيفية استبطانها في السلوك والعمل، تلعب دوراً كبيراً في توجيه الأخلاق الجمعية، وهو ما يجعل تجديد وإصلاح أنماط الوعي الديني أمراً أساسياً ومنطقياً لأية نهضة أو إقلاع تنموي وتحديثي في المجتمع العربي، و«هنا تكمن فكرة جوهرية لا يستوي أي إصلاح ديني صلاحاً وخيرية إن لم يستند جذرياً إليها ويتأسس وفقاً لها ويتحرك في نطاقها، وهي عدم التضحية بالإنسان من أجل أي إيديولوجيا دينية أو فكرة خلاصية، مهما كانت مسوغات ذلك وضروراته المفترضة أو المزعومة».

ويؤكد الكاتب أنه ليس من أغراض دراسته استقراء الموروث الثقافي التراثي العربي فيما يتعلق بمسألة الأخلاق في الثقافة الإسلامية، وفي الثقافات القديمة الأخرى، محيلاً إلى عمل «العقل الأخلاقي العربي» لمحمد عابد الجابري، بل تهدف أساساً إلى مقاربة أهمية الوعي الأخلاقي في الإصلاح الديني المنشود، وهي قضية تروم كشف الأوجه التي يمكن من خلالها ضمان تطوير أنساق أخلاقية إسلامية متصالحة مع المشترك الإنساني العام الذي استقر في عصرنا اليوم، وعبّرت عنه المواثيق والمعاهدات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان.

وبعد بيان طبيعة إشكالية الدراسة وأوجه الاتصال والانفصال بين الفكر الديني والأخلاق «بوصفهما مجالين متمايزين وغير متطابقين بالضرورة» يسعى الكاتب أيضاً لبلورة جملة من المبادئ الكاشفة للصلة الوثيقة بين الدين والأخلاق، وكيف يمكن الاستفادة من ذلك في خلق حركة تجديد وتنوير وتحديث في سياق الخطاب الديني، من خلال إعادة صياغة بعض المُثل الدينية، وخاصة أن «المثل الدينية في الإسلام لا تستهدف، في الحقيقة، إقامة يوتوبيا، وإنما تستهدف إقامة واقع تظلله القيم والمثل. والقيم تتغير وتتبدل بحسب الأزمنة والأمكنة، وأكثر من ذلك أن تمثلات الحياة في الاجتماع الإنساني مسألة حياتية يومية»، ومن هنا فإن «إعادة صياغة المثل الدينية الموروثة، بوصفها مهمة إصلاحية عاجلة وملحة، [تتطلب] أن يكون الدين رافداً في إرساء تنمية مستدامة، وفي أن يكون عامل سلام وسكينة وتضامن وتواصل بين البشر، لا حاجزاً يفصل بينهم، أو ينمي انغلاقهم وتعصبهم».

وبين دفتي الكاتب تطالعنا تالياً عناوين عديدة مثل: «انقطاع الفكر الإسلامي عن تمثل التراث العقلي والأخلاقي»، و«المسلمون اليوم وأسس بناء أخلاقية منفتحة»، كما يتعرض لنظرية الفيلسوف الألماني «كانت» الأخلاقية، والصلة «بين المعرفة الدينية والمعرفة الأخلاقية»، ويتساءل في عنوان آخر: «هل نحن أقل أخلاقية من الغرب؟»، كما يتحدث عن «العقدي والأخلاقي.. والمراجعة النقدية» ليصل إلى خاتمة دراسته.

ولئن كانت إشارة سريعة كهذه إلى مجرد كلمات مفاتيح وعناوين وخطوط عريضة في الكتاب لا تغني بأي وجه عن قراءة محتواه القيّم كاملاً، فلا أقل من الإشارة، ختاماً، إلى أن أصالة الفكرة نفسها تذكر، إلى حدما، بنظرية ماكس فيبر الشهيرة حول دور الأخلاق في صعود النسق الرأسمالي، ومن ثم الإقلاع الاقتصادي في مجتمعات شمال أوروبا بشكل خاص. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا