• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

ميزان العدالة

انتقام أم

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 03 يناير 2014

أحمد محمد

لم تكن هذه هي المشاجرة الأولى بين الجيران والتي كانت كلها في الغالب لأسباب تافهة، واليوم تسبب «الكلب» في تجددها بل في إشعالها ناراً، عندما أفزع الطفلة وخرج أفراد الأسرتين يتعاركون بالعصي والطوب، حتى لم يستطع أحد التدخل بينهم لإنهاء المشكلة، فالضربات لا تميز بين عدو وحبيب وكلها عشوائية في كل وأي اتجاه، ولم يسلم الكثيرون من الإصابات بالجروح والخدوش والكدمات، وليتها انتهت عند هذا الحد، فعندما تواجه الشابان عصام وشعبان واشتبكا بالأيدي مباشرة قام الأول بطعن الثاني بمطواة في بطنه، طعنة واحدة أخرجت أحشاءه وكانت كافية لأن تودي بحياته وسقط صريعا في الحال.

مشهد مرعب

كان المشهد مرعباً ومفاجئاً للجميع إذ لم يتوقع أحد في أي لحظة أن تصل الأمور إلى حد القتل، وانفضت المشاجرة في الحال فقد هرب كل أقارب عصام خشية البطش بهم وقتل أحدهم مقابل هذا القتيل ودمه لم يجف، فروا بحياتهم، وتفرغ أقارب القتيل للصراخ والبكاء عليه، لكن صدورهم تغلي ولو وجدوا أي شخص يمت للقاتل بصلة لقتلوه في هذه اللحظة بلا أدنى تفكير أو تردد، بل بالفعل بحثوا عن أي منهم لكن لم يجدوا أحداً، اختفوا كأنهم أشباح لا تراهم العيون.

القتيل «شعبان» شاب في العشرين من عمره، الابن الوحيد لأبويه، توفي أبوه منذ أن كان طفلا وتولت أمه تربيته، أغلقت بابها عليها ورفضت كل عروض الزواج والضغوط التي مارسها عليها إخوتها حتى تكون في كنف زوج يحميها لكنها اتخذت قرارها النهائي الذي لا رجعة فيه بأن نذرت كل حياتها لهذا الولد الوحيد اليتيم، لن تتركه لأحد ولن تتزوج حتى لا تدع الفرصة أمام زوج الأم الذي لن يكون رحيماً به، كثيرون استحسنوا صنيعها لكنهم يشفقون عليها وهي شابة.

كان يوماً أسود في حياتها بكل المقاييس بل هو الأكثر سواداً على الإطلاق، حتى اليوم الذي فقدت فيه أباه الذي كان زوجها ربما كان أهون من ذلك عليها، اليوم تضاعفت أحزانها كما لو كانت فقدت الاثنين معا، ترى أن هذه هي نهاية الدنيا فما قيمة حياتها بعد ذلك، والذين من حولها غير قادرين على تخفيف أحزانها ولا حتى إقناعها بالتوقف أو التخفيف من الصراخ والبكاء خشية أن تهلك هي الأخرى، لكن لماذا تعيش بعد أن فقدت ولدها وزهرة عمرها ومن تعيش من أجله أصلا، النائحات حولها من قريبات وجارات شاركنها أحزانها، التففن حولها، ومنهن من تبكي على حالها لربما فقدت ولدا أو أخا أو زوجا أو أي عزيز لديها، كلهن جمعتهن الأحزان.

على الجانب الآخر كان الرجال الكثيرون متجمعين بجوار الجدران في صمت رهيب، لا يتهامسون ولا يتكلمون إلا بكلمات محدودة أو بلغة الإشارة أحيانا في أمر يخص التجهيز والجنازة والإجراءات والكفن والدفن، معظمهم يدخنون بشراهة أو يدسون رؤوسهم في حجورهم، بعضهم تفيض أعينهم بالدمع حزنا على الراحل الشاب الذي قضى في لحظة خاطفة، يشفقون على أمه المسكينة وكيف ستكون حياتها بعد ذلك وهل تستطيع أن تعيش بعد هذه الكارثة الثقيلة، قليلون الذين بكوا بصوت عال من الشباب من أصدقاء القتيل وأقرانه الذين ترعرعوا معه في المنطقة. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا