• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

الشكوى الأفريقية الأساسية تنصب على التعقيدات الدبلوماسية في مقاضاة الزعماء السياسيين وما يعتقدون أنه تحيز ضد الدول الأفريقية

أفريقيا وتحيز «الجنائية الدولية»

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 29 أكتوبر 2016

ديفيد بوسكو*

في أبريل الماضي، افتتح العاهل الهولندي الملك فيليم الكساندر المقر الجديد للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي. وألقيت أثناء مراسم الافتتاح خطب تحتفي برحلة المحكمة من مجرد كونها فكرة نبيلة إلى واقع ملموس. وبعد ذلك بستة أشهر فحسب، أصبحت الأرض تنهار فيما يبدو تحت المحكمة. فقد أذهل الجميع قرار جنوب أفريقيا في الأيام القليلة الماضية بالانسحاب من المحكمة المجتمع الدولي. وجاء هذا القرار في أعقاب موافقة برلمان بورندي على مغادرة المحكمة. فكيف تسقط المحكمة إلى هذا الحد وبهذه السرعة؟ وهل يكون وجودها نفسه محل شك؟

والسيناريو الكابوسي للمحكمة هو أن ترك قوة بارزة مثل جنوب أفريقيا للمحكمة سيؤدي إلى عملية خروج منسقة لطالما طالب بها بعض الزعماء الأفارقة الذين لا تروقهم المحكمة. وليس من الصعب التعرف إلى الدول المرشح خروجها. فمن هذه الدول كينيا التي علاقاتها ضعيفة بالمحكمة منذ عام 2011 حين وجه المدعي العام اتهامات إلى عدد من السياسيين الكينيين البارزين منهم شخصان أصبحا رئيس البلاد ونائبه. وانهارت القضية ضد الرئيس الكيني لكن البرلمان حث بالفعل الحكومة على الانسحاب من المحكمة وهناك ما يشير إلى أنها قد تفعل ذلك في نهاية المطاف.

والرئيس الأوغندي وصف المحكمة في حفل تنصيبه بأنها «مجموعة من الأشخاص عديمي النفع» وهو ما دفع بعض الدبلوماسيين الغربيين إلى الخروج من الاحتفال. وهذا الأسبوع تحركت سلطات جامبيا في سبيل عملية الانسحاب من المحكمة التي وصفتها بأنها «المحكمة القوقازية الدولية». والمزيد من الانسحاب يقلص مشروعية المحكمة ويقيد مجال مستقبل التحقيقات. والدول الموجودة بالفعل في المحكمة لا تعبر عن استيائها فحسب بل تقلص مساحة عمل المحكمة وتقوض زعم المحكمة بأنها حصن ضد الأعمال الوحشية.

لكن حتى إذا تجسد كابوس انسحاب أفريقي على نطاق واسع، ستظل المحكمة قادرة على العمل. فمن الصعب القضاء على المنظمات الدولية وليس هناك ما يدعو إلى الاعتقاد أن عشرات الأعضاء من المحكمة في أوروبا وأميركا اللاتينية سيحذون حذو بعض دول أفريقيا. لكن وجود عدد قليل من الدول الأفريقية سيضعف المحكمة. والحكومات التي تقدم غالبية التمويل ومنها ألمانيا وفرنسا واليابان وبريطانيا ستطرح أسئلة بشأن إذا ما كان يجب إنفاق ملايين الدولارات في وجوه أفضل نفعاً. وقد يحولون أموالهم وطاقتهم إلى المحاكم الإقليمية أو إلى المحاكم التي تقام لغرض محدد أو تشجيع وسائل المحاسبة المحلية. والافتقار إلى الاهتمام من كبار المساهمين الماليين قد يضطر المحكمة إلى تقليص عدد موظفيها وتقليص عمليات التحقيق الموجودة بالفعل.

وليس من المسلم به أيضاً أن تحذو دول أفريقية أخرى حذو جنوب أفريقيا. ولم يفلح مسعى كينيا على مدار سنوات في تنسق عملية انسحاب أفريقي. فليس هناك إجماع في آراء الحكومات الأفريقية بشأن نفع أو عدم نفع المحكمة الدولية. ونيجيريا لم تنتقد المحكمة رغم أنها موضع تحقيق أولي من المحكمة. وما زال للمحكمة حلفاء مخلصون في القارة بينهم بوتسوانا. وعدد كبير من الحكومات الأفريقية وخاصة تلك التي لا ترى خطراً آنياً من لاهاي، قد ترى أن الخروج من المحكمة لا يستحق العناء. وقد ينسحب عدد قليل أيضاً من الدول غير الأفريقية. ورغم ما لهذه الانسحابات من أثر سلبي، ستنجو المحكمة على الأرجح من خروج للدول يصيبها بالشلل.

والجدير بالذكر أن الشكوى الأفريقية الأساسية تنصب على التعقيدات الدبلوماسية في مقاضاة الزعماء السياسيين وما يعتقدون أنه تحيز ضد الدول الأفريقية. ونظرياً تستطيع المدعية العامة للمحكمة فاتو بنسودا إصلاح هذا. وللمدعي العام حرية تصرف شبه كاملة بشأن الأفراد الذين يقاضيهم وقد يقرر تركيز تحقيقاته في المستقبل على متهمين في موقع متوسط من سلم القيادة وليس على كبار الزعماء. وأشارت وثائق صدرت عن المحكمة في الآونة الأخيرة إلى أن مثل هذه الاستراتيجية قد يجري العمل بها. أما عدم التوازن الإقليمي في عمليات التقاضي فمن الصعب على بنسودا معالجته حالياً. فهناك تسعة من بين عشرة تحقيقات تجريها المحكمة تدور في أفريقيا والاستثناء الوحيد يتعلق بقضية في جورجيا. وبعد عشر سنوات من الآن، فإن مقر المحكمة الجديد من شبه المؤكد سيظل كما هو لكن العاملين في المبني سيتعين عليهم قبول دور أضيق للمحكمة في السياسة الدولية مما تخيله مؤسسوها.

* أستاذ مساعد في كلية الدراسات العالمية والدولية في جامعة انديانا الأميركية.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا