• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

إذا لم تُقتل بالغارات الجوية أو بقذائف المدفعية، ستجد نفسك أمام مشكلة البحث عن طعام. وبسبب توقف السكان عن العمل، ما عادوا يمتلكون المال لشراء الطعام

حلب.. جحيم الحياة تحت الحصار

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 29 أكتوبر 2016

عمير شعبان - حلب

إنه يوم مشهود.. لم تسقط فيه القنابل، وهكذا كان اليوم الذي سبقه. هذا أمر جيد لأنه يعني أنه بات في وسعك أن تغادر بيتك لرؤية أصدقائك، وأن تتظاهر بأنك تعيش حياتك العادية. إلا أنك لا تعلم متى تعود الغارات وعمليات القصف، ولا مدى السوء الذي ستكون عليه.

الحرب هنا متواصلة منذ أكثر من أربع سنوات. وأدت إلى هروب مئات الألوف من السكان، ومات فيها الألوف بمن فيهم العديد من أصدقائي. وأنا وزوجتي من بين 250 ألف ساكن عالقين هنا بسبب الحصار المفروض على القطاع الشرقي من المدينة. وإذا كنت عازماً على البقاء حياً في حلب، فعليك أن تكتشف بنفسك طريقة ما تجعلك بمأمن من الانفجارات والمجاعة.

وإليك الطريقة:

قبل كل شيء، وحتى تتمكن من النجاة من هول الغارات الجوية وقذائف المدفعية والصواريخ والقنابل الفوسفورية والعنقودية، سوف تضطر للعيش في الطوابق الأرضية من الأبنية، لأن احتمال تعرضها للدمار أقل من الطوابق المرتفعة. وعندما تسقط قنبلة أو قذيفة فوق مبنى مرتفع، فإنها لا تدمر إلا أعلى طابقين أو ثلاثة من المبنى. والآن، يعيش كثير من السكان في الطوابق الأرضية للمباني المدمَّرة. ومعظم السكان يعيشون في شقق أرضية فارغة بعد أن هجرها سكانها وفروا من المدينة.

ويقع بيتي في الطابق الثاني من مبنى يتألف من ستة طوابق، وهذا ما يدفعني إلى الشعور بأنني في مأمن. ولقد أطلق نظام بشار الأسد حرباً وحشية على حلب الشهر الماضي. وخلال معظم الغارات الجوية كانت الطائرات تستخدم قنابل مخصصة لتدمير المباني. وإذا كنت ترعى أطفالاً، فيجب إبقاءهم بعيداً عن الشوارع معظم الوقت وإلا فإنهم سيقتلون. ولقد أصبحت المدارس والمستشفيات تحت الأرض. ولا زال بعضها قائماً، وهي تعمل تحت الأرض.

وإذا كنت تمتلك سيارة، فسوف تواجه صعوبات كثيرة للحصول على البنزين، ولا بد من إيقافها في مرآب فارغ أو دكان حتى لا تتعرض للقذائف. وعليك أن تبقي على نوافذ بيتك مفتوحة حتى لا يتكسر زجاجها بسبب الضغط الناتج عن انفجار القنابل والقذائف. وإذا لم تُقتل بالغارات الجوية أو بقذائف المدفعية، فسوف تجد نفسك أمام مشكلة البحث عن طعام. وقبل الحصار، كان الغذاء متوفراً للجميع. وبسبب توقف السكان عن العمل، ما عادوا يمتلكون المال لشراء ما يؤتي أودهم. وأصبحت العائلة التي لا زال لها أب على قيد الحياة محظوظة لأنه هو الذي يسعى لتأمين المواد الغذائية لعائلته. أصبح الخبز سلعة نادرة، يزداد الحصول عليها صعوبة يوماً بعد يوم، ويرتفع سعره في السوق السوداء بشكل متواصل. وبسبب انهيار الاقتصاد، تواصل قيمة الليرة السورية انخفاضها مقابل الدولار وبما يرفع أسعار كافة السلع. ولا يزال في وسع السكان الحصول على شيء من الرز والمكرونة التي توفرها بعض منظمات الإغاثة. ولا تتوفر اللحوم ولا الحليب ومشتقاته.

وقد تفكر أن تزرع الخضراوات في حديقة بيتك. ولقد رأيت جيراني وهم يزرعون الباذنجان والبقدونس والنعناع. وتكمن المشكلة في أن معظم الحدائق تحولت إلى مقابر للدرجة التي يصعب معها العثور على أرض يمكن زراعتها. وإذا لم يكن هناك بديل عن المجاعة غير الموت، فلا بأس بأن تأكل الخضراوات النامية على جثث الموتى. وحتى لو توفرت لك الخضراوات واللحوم، فإن من الصعب عليك الحصول على الوقود اللازم لطبخها. فلماذا لا زلت هنا؟ حلب مدينتي، وسوريا وطني. هذا هو مبدأي الذي لا أحيد عنه أبداً. والناس هنا يعانون الأمرّين لمجرد أنهم طالبوا بحرّيتهم. وبرغم كل ما حدث ويحدث من حصار وقتل وتجويع وغارات جوية وقصف بالدفعية، فأنا أريد أن أعيش في حلب الحرّة المحررة.. أريد أن أبقى هنا حيث ولدت وترعرعت. وهذا هو حقي الذي لن أفرّط به أبداً.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا