• الثلاثاء 30 غرة جمادى الآخرة 1438هـ - 28 فبراير 2017م

مشروع المالكي كرّس الطائفية في البلاد

المشهد العراقي.. وخطر النفوذ الإيراني

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 17 يونيو 2014

د. خالد الحروب

كاتب وأكاديمي عربي

التفسير الأكثر إقناعاً للانفلات السريع والمدهش لسيطرة المالكي وجيشه على محافظة الموصل وما جاورها هو اتساع نطاق ثورة العراقيين على نظامه الإيراني الولاء، وليس القوة الخارقة التي تُنسب لتنظيم “داعش”. إنها ثورة أبعد عمقاً من أن تكون ضد النظام الطائفي القائم الآن في بغداد، على بشاعة ذلك البعد وآثاره التدميرية على البلد. فهي في الجوهر ضد الجار المتعطش للاحتلال ولإخضاع العراق برمته للمصلحة القومية الإيرانية. الذي تحرك فعلاً على الأرض في الموصل كما في أكثر من منطقة من العراق هو العراقيون وما تبقى من مجموعات عسكرية كانت تابعة للجيش العراقي قبل الاحتلال الأمريكي، والتي تم حلها وتفكيكها بأمر من الحاكم الأمريكي “بول بريمر” آنذاك. في تلك الأوقات كان أحد الأسئلة الكبرى التي أعقبت هزيمة صدام حسين، يحوم حول سرعة انهيار الجيش العراقي، وهو الجيش المتمرس وحسن التدريب والذي حارب إيران سنوات طويلة. يومها ذاب الجيش عملياً وسط الشعب وتخلى عن السلاح لأن غالبية كبيرة منه أحست بأن المعركة كانت بين نظام صدام حسين والأمريكيين، وكأن العراق والعراقيين كانوا على الحياد. قطاعات وأفراد كثيرون من الجيش الذي ذاب في الشعب تنتفض الآن لأنها صارت تدرك أن هناك معركة حقيقية على العراق والعراقيين من قبل حكم طائفي يريد رهن العراق وإبقائه تحت السيطرة والمشيئة الإيرانية. الحكم الطائفي في العراق يدمر الشيعة والسُنة على السواء ويزرع في مجتمعه بذور الصراع والحرب الأهلية لعقود طويلة قادمة.

برغم الديكتاتورية والبطش والظلم الذي حاق بكثير من شرائح المجتمع العراقي خلال عقود حكم صدام و”البعث” ووصولاً إلى الحكم الملكي قبل ذلك، إلا أن مارد الطائفية ظل محاصراً في قمقمه، ولم يكن يسمح له بالتمدد – ومن قبل المجتمع قبل أن يكون ذلك من قبل الدولة. إذا تُركت المجتمعات متعددة الإثنيات والطوائف من دون تدخلات انتهازية من قبل أطراف سياسية أو دينية، فإنها تتجه في الغالب الأعم نحو الوسط التعايشي الذي يخفف من حدة اختلافاتها. وفي ذلك الوسط تنمو أنماط المشاركة الاقتصادية والمصالح المشتركة والعادات الاجتماعية والتزاوج المختلط بما هو قمين بتخليق هوية وطنية متجاوزة للولاءات الضيقة. يتبقى دوما وعلى الهوامش مجموعات رافضة لهذا التعايش وتتمسك بطائفيتها أو إثنيتها، وتعزف على أوتار المظلومية وتتوعد بـ “الاستنهاض” وقلب الأمور وسوى ذلك. لكن هذه المجموعات ودعواتها وشعاراتها تظل هامشية ولا تنتقل إلى المركز وقيادة المجتمع إلا مع تغير موازين القوى وبروز طرف سياسي أو ديني يشتغل على الغرائز الثأرية الأولية ويجعل من الهويات الطائفية المحدد الأصلي للأفراد، ويركل الهوية الوطنية جانباً. وهذا ما قام به نظام المالكي في العراق خلال السنوات الطويلة الماضية. لقد نجح في تهميش الهوية الوطنية العراقية التي جمعت كل العراقيين وأرادت أن تتجاوز معهم الاختلافات الدينية والإثنية. صحيح أن تلك الهوية تطورت تحت مطرقة الاستبداد، وأن كثيراً من الاختلالات قد شابتها، لكنها لم تكن هوية طائفية بل وطنية.

في الوقت ذاته اشتغل الإرهاب “القاعدي”، الذي استهدف الشيعة كطائفة وشريحة مجتمعية عريضة بقيادة الزرقاوي ومن قبله ومن بعده على تدعيم مشروع المالكي الطائفي، وعلى توفير الذرائع التي صبت في خدمة ذلك المشروع. وكما هي عادة التطرف الإسلاموي، فإن إنجازاته الوحيدة تتمثل في أمرين: تقديم المسوغات لأعداء الأوطان لينطلقوا في مشروعاتهم ومخططاتهم بسهولة أكثر، وتخريب أي توافق وطني عريض من خلال العنف والإرهاب وادعاء تمثيل الشعب والمجتمع. وفي هذه اللحظة بالذات، وبرغم اتساع نطاق التمرد العراقي، فإن خطر “داعش” على هذا التمرد أكبر من خطر إيران نفسها، إذ ستعمل داعش بعنفها وإرهابها الدموي على اختطاف هذا التحرك، ثم وسمه بخصائصها الإكراهية والكريهة عبر الفرض والعنف.

بيد أن مشروع المالكي في العراق أضاف إلى جريمة العودة بالبلد والمجتمع إلى ما قبل الدولة الحديثة، جريمة أخرى هي إلحاق العراق عملياً وسياسياً بإيران. فما هو قائم الآن في العراق وفي سياق تعطش التيار القومي الإيراني للنفوذ والسيطرة الإقليمية هو في الواقع حكم “المندوب السامي الإيراني” الذي يذكرنا بـ “المندوب السامي” البريطاني، وهذا التعطش للنفوذ ولبسط المشروع الإيراني الفارسي في المنطقة لا يطال كل الإيرانيين بكل تياراتهم وفئاتهم، لكنه السمة الأساسية لتيار الملالي وتيار الحرس الثوري، ذلك أن أغلبية الشعب الإيراني مغيبة تماماً عن هذا المشروع، ولا تلقي له بالاً، ولا تريد سوى أن تتحقق لها حياة كريمة وحرة ومتعايشة مع الجوار العربي. وهي أيضاً لا تتماهى مع استراتيجية ذلك المشروع في الإقليم المتمثلة في استغلال الدين والتشيع من أجل تحقيق الأهداف السياسية.

اتساع نطاق التمرد العراقي في الموصل وغيرها من المناطق يأتي في هذا السياق: سياق الانتفاض على إلحاق العراق بإيران وتمزيق سيادته تحت أقدام الحرس الثوري. ولا يصح من ناحية موضوعية وتحليلية حشر المسألة كلها بـ “سيطرة داعش”، ذلك أنه من غير الممكن أو المتصور أن تنهار كل بنى السيطرة التابعة للمالكي في محافظة الموصل وغيرها بهذه السهولة لم يكن هناك زخم شعبي عريض وعميق مناوئ لها.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل تحد السياسات الأميركية الجديدة من الهجرة العربية للغرب عموما؟

نعم
لا