• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

عطر المونديال

الموت فوق العشب

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 16 يونيو 2014

بدر الدين الإدريسي

هناك برسيف إحدى مدائن السحر بوطن «السامبا»، حقق صبري لموشي التونسي الأصل حلمه بالاستحمام بعطر المونديال، فقد قيد له وهو يقود رباناً وقائداً فنياً منتخب كوت ديفوار في صدامه المونديالي الأول بالكمبيوتر الياباني أن يحقق هذا الحلم الذي حرم منه يوم كان شاباً يافعاً يرسم لوحات جميلة بالملاعب الأوروبية، وينتمى لمنتخب فرنسي ظن أن اللعب له سيحمله إلى أقصى ما يتمناه أي لاعب، الدخول إلى قصور المونديال.

هناك برسيف اكتشف لموشي ولو في ثوب الناخب ما كان يحكى له عن كأس العالم، ذاك الشعور الجياش الذي يرفع إلى قمة اللذة، وكان عليه أن يصمم للفيلة دخولا آمنا ومطمئنا إلى مونديال يعتقد جميعنا أنه سيكون الفرصة الأخيرة لكي يتسلم جيل دروجبا براءة الإبداع وشهادة الخلود.

كان مفاجئاً للكثيرين أن يجلس القائد والملك والأسطورة دروجبا على دكة البدلاء متفرجاً على فيلة يصاقرون في صدام كروي قوي منتخب اليابان الذي ما عاد سقف طموحه ينزل عن الدور الثاني، إلا أن ما سيأتي بعد ذلك سيؤكد أن ما بين لموشي الناخب والصانع للقرار الفني وبين دروجبا الملهم والحكيم شيء أكبر من أن تضربه الوساوس، فما بينهما حكاية ود نسجتها السنين وثقة لا يمكن أن تهتز أمام غمزات الوشاة والمشوشين.

ضحك الحظ للكمبيوتر الياباني فبكر بالتسجيل ليرمي بثقل المباراة كاملة على منتخب إيفواري يعاب عليه أنه يدخل المباريات متثائباً ومتثاقلاً، ولكن إن هو أطلق نهيمه كما صوت الفيلة صعق المكان، فقد كان على يايا توري القائد الاحتياطي أن يصيب هؤلاء اليابانيين الذين تمرسوا بشكل رائع بالأساليب الدفاعية التي قلصت فيهم الكثير من مساحات الهشاشة بشيء من الخوف ليتكوموا داخل جحورهم دفاعاً عن السبق.

وبعد أن انتصفت المباراة بدقائق غمز لموشي قائده دروجبا، هو من كان قد قرأ جيداً ملامح الأداء الجماعي لليابان، فخرج من عباءة البديل واقتحم أرضية الملعب ليسلم الفيلة الدليل الذي يقود إلى الخلاص ثم إلى الفوز، هدف إيفواري أول حمل توقيع ويلفريد بوتي وبعده بدقيقتين هدف ثانٍ بإمضاء نجم روما جيرفنهو، ليحصل المنتخب الإيفواري من أول مباراة على ثلاث نقاط محفزة تفتح الطريق نحو حلم الصعود للمرة الأولى إلى الدور الثاني.

بالطبع لم يكن دروجبا هو المنقذ بالصيغة التقليدية، فالرجل الذي يتصدر هدافي المنتخب الإيفواري لم يكن وراء أي من الهدفين اللذين كتبا ملحمة الفوز أمام اليابان، إلا أنه كان بلغة الملاحم الكبرى الرجل الذي ألهب الحماس وشحذ العزائم، بل وجسد على رقعة الملعب المتغيرات التكتيكية التي رآها المدرب الشاب سبيل الفيلة الوحيد لتعطيل الكمبيوتر الياباني.

يكون رائعاً لو يتمثل لاعب أسطورة القيم الفنية والرياضية والإنسانية التي هو مؤتمن عليها، ويكون أروع لو يصل فعلا إلى ما وصل إليه دروجبا من نكران ذات ومن إقصاء للأنانية الزائفة، وغير دروجبا بمرجعيته وبأسطوريته وبسيرته الذاتية الغنية كان سيحرق البيت بمن فيه إن هو أبقي سجيناً في دكة البدلاء.

كيفما فكر لموشي وكيفما خطط، فقد قال لنا دروجبا بما فعل في الدقائق التي أعطيته أن العشب هو أجمل مكان يموت فيه من يسمى ديديه.

drissi44@yahoo.fr

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا