• الاثنين غرة ربيع الأول 1439هـ - 20 نوفمبر 2017م

أحببتُ «الشطرنج» التي أحِبّها!

شاه مات

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 14 سبتمبر 2017

أمل إسماعيل

«يسكنُ قبالتكَ ذلك الجار الذي يمتلكُ أحصنةً مذهلة، ممشوقة القوام، يبعثُ منظرها، وهي تتهادى بخطواتها على العشبِ الراقصِ جَراء النسيمِ، طيفًا من الطمأنينة والسلام. تدركُ في قرارة نفسكَ بأنها أحصنةٌ مُعدّةٌ للحرب سلفاً، لسلبكِ أرضكَ، ودكّ أحلامكَ، وأنك لا محالة قاتلها أو قتيل حوافرها. صهيلها وهي تتأهب للانقضاض عليك يؤرقك ليلا، ولا تعرف بالضّبط متى سينعقُ غُراب الاجتياح، كلاكما يقفُ مترقباً، متفصداً عرقًا في انتظار تلك اليدِ التي تمتدُّ بالبيدقِ الأول إلى موقعه، ثم تبدأ رحلة النهاية وَسطَ أكداسٍ من العيون التي تراقبُ في حذرٍ وتغرقُ نظراتها في التّمني».

ما الذي يجعل لعبة الشطرنج في صورتها هذه ممتعة! كل تلك البيادق التي تتساقط، والفيلة التي تدوس المسافات خالطةً الأبيض بالأسود، والوزراء في مشاوراتهم التي تنتهي بالنّفي خارج حدود الرقعة، أضمُّ كفيّ على ملكةً برأسٍ مقطوع، بينما يقف الملكُ هناك في البعيد، مراقباً ما يجري متشبثاً بحبل نجاة مهترئ سرعان ما يتمزّق إثر توالي الضربات، ثم....

رقصة الملك الأولى

هل أحببتُ الشطرنج؟ سؤال مباشر جداً ينتهي إلى إجابة مراوغة: أحببتُ الشطرنج التي أحِبّها! فلِمَ عليّ أنْ أخوضَ حرباً رأيت أبي يخوضها مراراً، بينما أنا قادرةٌ على إحلالِ السلام على رقعتها؟! ذلك السلام الذي يُحوّل مربعاتها حقولاً خضراء مكسّوة بالأزهار البرية العشوائية، والبيادقَ طوابير من الراقصين يدورون حول مجموعة مصطفاةٍ من الراقصات، والأحصنة التي تغلف المشهد مؤدية رقصة التعقيلة وسط ذهول المتفرجين وإعجابهم. على مقربة، يؤدي الملك دوره على مسرح لا يراه إلاي، داعياً الملكة إلى الرقص وغناء مقطوعة «الشطرنج»، لا التباري على مربعاتها - أجل، ملكة جميلة ممشوقة القوام، تلك التي تقف إلى جانب الملك، تذودُ عنه، وتأتيه بالغنائم، مثلها مثل لبؤة مخلصةٍ لأسدها المتوسّد عرينه - تمدُّ يدها وينحني الاثنان لينشرا في المدى حكاية رقصة الأبدية، لكن يدَ الملك تتفلّتُ فتسرقُ الريحُ فستان الملكةِ وظِلّها، فيعودُ وحيداً، متأملاً المشهد باحثاً عن ذلك الطريق البديل. حينذاك، يتعثّر نظرهُ بالقلعة!

امرأتان.. وحرب واحدة!

أحببتُ القلعة كثيراً، لأنها كانت تقف عند زاوية الرقعة تراقب المشهد من عالمها الشمولي ذاك، وغالباً ما كانت حركتها الانتحارية التي تؤمّن بها الملك و«تبيّتُه» في مكانها مُحببة إليّ، أن تكون في مَأمن، متشبثاً بالأمل، ثم تتنازلَ عن كل ذلك دفعةً واحدة، تتخلى عن دفءِ بيتكَ وكوبِ القهوة الذي بين يديك، وتتركَ البرد يلفحُ وجهكَ وأنتَ تحرس بابكَ خَشية أنْ يُدَكّ البيت فتفقدَهُ وتفقدكَ في آن واحد. أي ولاءٍ وتضحيةٍ هذه! ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا