• الاثنين غرة ربيع الأول 1439هـ - 20 نوفمبر 2017م

هل توجد كتابة نسائية تقابلها كتابة رجالية؟

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 14 سبتمبر 2017

د. هند السليمان

من المقولات الشهيرة لـ «سيمون دي بوفوار»: «المرأة لا تُولد امرأة، بل تغدو كذلك». فالمساواة بين الجنسين هي الأصل، وفعل الثقافة هو ما يُنتج الفروق «الجندرية». إن كانت المرأة «تغدو» كذلك، فهل تعود المرأة مساوية للرجل بقرار تتخذه؟ وهل بالإمكان ذلك؟ العبارة تنص على أن المرأة قد غدت كذلك، فهل المطلوب أن «تنتكص» المرأة لحالة أولي، دون أن يُحدث هذا انعكاسات نفسية قاسية؟ فالنكوص ماهو إلا حيلة دفاعية يخفض التوتر دون أن يحل الإشكالية. حيلٌ لا تفعل، إلا منح تسكين مريح ومؤقت للتوتر. فهل كنساء نحتاج النكوص هذا؟ وماهي طبيعة وشكل الانعكاسات النفسية القاسية والمحتملة لعملية كهذه؟ أمر آخر، هل يولد الرجل رجلاً بحيث يُخلق كائناً ثابتاً وكاملاً لا تدخل عليه الثقافة أي فعل أو تأثير أم هو كالمرأة يغدو كذلك. ككائنات بشرية، رجالاً ونساء، نحن كائنات ثقافية أي أننا نتشكل و«نغدو» وفق فعل المحيط الاجتماعي الذي نوجد فيه، لا قبل ذلك. فلماذا خصت «دي بوفوار» المرأة بعبارتها تلك؟ الإجابة المباشرة والواضحة لسؤال كهذا هو أن عملية التشكيل الثقافي لم تتم بشكل عادل بل عبر منح امتيازات لفئة على حساب فئة أخرى. وفي هذا القول صحة لا يمكن دحضها، وفلنتأمل ذلك من خلال قراءة لواقع النساء، ولنجعل مجال تركيزنا هو الكتابة النسائية.

خلال التاريخ البشري الطويل، من المؤكد أن نصوصاً نسائية كُتبت كما كتبت نصوص رجالية، لكنها ظلت متداولة في فضائهن، الفضاء الخاص. في العصر الحديث، حين انتقلت النساء للتواجد في الفضاء العام، بدأت النساء بممارسة الكتابة علناً، لتظهر نصوصهن في هذا الفضاء. ليكون السؤال الأول الذي واجهته الكاتبات، ومازلن، هو: هل توجد كتابة نسائية تقابلها كتابة رجالية؟ فرجينيا وولف في معرض إجابتها عن السؤال، ترى أن ما تكتبه المرأة «هو دائماً نسائي لا يمكنه إلا أن يكون نسائياً، وفي أحسن حالاته يكون نسائياً على أكمل وجه، لكن الصعوبة الوحيدة تكمن في تعريف ما تعنيه بكلمة نسائي». الإشكالية كما تطرحها وولف لا في وجود كتابة نسائية أم لا، بل في التعريف لها. لتنطلق «بياتريس ديديي» من عبارة «وولف» وتُعرف الكتابة النسوية بأنها توظيف مغاير للغة، فالمرأة «لم تكتب مثل الرجل قط، وإن وظفا اللغة نفسها، إلا أن المرأة توظفها بشكل مغاير ومتحرر». ألين شولتر تقدم تفسيراً يتلاءم وعبارة ديديي فهي تشدد على الاختلاف بين نمطي الكتابة، مع تأكيدها «عدم وجود نزعة جنسية ثابتة وفطرية، أو ما يُسمّى خيالاً أنثوياً، غير أنه يوجد اختلاف عميق بين كتابة النساء والرجال». الأقوال السابقة، نماذج لأصوات تشدد على وجود شكلين متمايزين للأدب يخلقهما اختلاف «الجندر»، وفي المقابل توجد أصوات ترفض هذا الاختلاف، باعتبار أن الكتابة تنطلق من الهم الإنساني ومن تجربة العيش، وهو هم مشترك من جهة، ومن جهة أخرى، هم فرداني، فلكل فرد تجربته المستقلة، التي لا يحكمها «الجندر» وحده بالضرورة.

لا شك في فردانية التجربة الإنسانية، ولكن التجارب تتقاطع بتقاطع المشتركات. رفض الإقرار بوجود فارق «جندري» في الكتابة ينبع من خوف من منح هذا الفارق شرعية ما. ولكن تجاهله لا يؤدي لإلغاء الفارق أيضاً. فهل الواقع المعاش يقول إن الفروق «الجندرية» اختفت تماماً؟ نتمنى ذلك، ولكن تأمل الواقع قليلاً، يُرينا مثلاً أن التقسيم «الجندري» للمهن ما زال قائماً في جميع المجتمعات الإنسانية وإن بدرجات متفاوتة، والمردود المادي للمهن يخضع لاشتراطات «جندرية»، تزيد هذه الفروق بشكل مرعب أو تنقص حد التماثل، بحسب تعدد المجتمعات. هذه الفروق لا يمكن تجاهل تأثيرها على نمط حياة الأفراد. من المؤكد أنه ما زال هناك وجود لـ «عالم النساء» يقابله «عالم الرجال»، كل منهما يختبر الحياة بطريقة مغايرة قد تقتربان، وقد تبتعدان بحسب طبيعة التجربة وطبيعة المجتمعات والأفراد. قد تكون الفروق «الجندرية» تقلصت كثيراً عن السابق، ولكن ما زالت مسافة تفصل بينهما. ولتختبر هذا بنفسك، جرب أن تمشي في الشارع، حتى في شوارع المدن التي حققت درجة مساواة «جندرية» معقولة، ستجدك تمايز بين النساء والرجال بكل سهولة، من اللباس، والمشي، وأماكن التواجد. هذا التمايز ألا يمكن أن يدل على تمايز طفيف في التجربة؟ أليس أحد وظائف الأدب الكشف عن فرادة التجربة الإنسانية عبر التقاط الخفي والعميق في تجربتنا الإنسانية. مع التأكيد أن الأمر نسبي، يختلف باختلاف المجتمع والثقافة. كما أن الأمر محكوم بالزمن، فزمننا هذا، رغم أن محاولات ردم الفارق تعمل على أكثر من صعيد، لكن الفوارق لا زالت موجودة. وحين نصل لمرحلة تتحقق فيه المساواة «الجندرية»، بإمكاننا حينها التشكك بوجود مصطلح «أدب نسائي» و«أدب رجالي».

في المقابل، الكتابة النسائية ليست بالضرورة مرادفة للكتابة النسوية، فللأخيرة أدواتها وتعريفاتها وطرقها. قد يقتربان حد الامتزاج، ولكن الكتابة النسوية يمكن كتابتها من قبل النساء وكذلك الرجال، كما بالإمكان أن يُكتب أدب نسائي بطريقة مضادة للنسوية، وهذا موضوع آخر. أمر آخر يستحق التنوية له، وهو عدم تداول مصطلح أدب رجالي بكثافة طرح مصطلح أدب نسائي. وكأن هذا الأخير أحد تنويعات الأدب. فالأصل أدب رجالي؛ ولأنه أصل فلا يحتاج إلى تعريف بوصف لاحق، فعبارة أدب تكفي. أما الأدب النسائي، فلا يوجد إلا بوصف إلحاقي، فهو فرع من أصل.

إن كان هناك كتابة نسائية، فإن السؤال التالي هو: لماذا تكتب النساء؟ أحد أهم الأدوار التي منحها النقاد للكتابة النسائية هي دور المنقذ للمرأة عبر منحها وجوداً، كما عبر عنها جون ستيورات مل، فالكتابة «ليست اشتغالاً على الكلمات وحدها، وإنما هي أيضاً اشتغال على الذات، هي رسم بالجسد وعلى الجسد، هي إعادة بناء كينونة ووجود آخر مغاير لما أريد له أن يكون. في الواقع كتابة النساء، هي تحرير جسد من سجن ثقافة ذكورية سادت، أباحت للرجل حق التصرف فيه قولاً وفعلاً، وجعلته محظوراً وغير مباح مطلقاً أن تكتب المرأة منعاً لها، من أن تطال كتابتها جسدا لا تمتلكه، وأن تخرج عبر الكتابة من دور الموضوع. لتصبح فاعلاً، فتهدم كل الموروثات التي تجعل من وعيها ومن تفكيرها ومن جسدها ثالوثاً محرماً».

الرؤية هذه، أي الكتابة كمخلص للنساء، دفعت عدداً من المهتمات بالأدب النسائي والنسوية إلى تشجيع النساء لكتابة سيرهن الذاتية. فاللغة، كما هي مستخدمة صانعها ومقررها رجل، والمرأة تقع «خارج اللغة». هذه المعادلة تجعل المرأة «موضوعاً» لا «ذاتاً». كتابة النساء لسيرهن الذاتية في حالة كهذه، ستمنحهن صوتاً تعبر فيه المرأة عن أناها المهمشة. حين تكتب سيرتها تتحول إلى ذات تتمركز الأشياء من حولها. تنتقل المرأة من موقعها الهامشي المعتاد، إلى المركز، حتى وإن كان مركزاً بفعالية خافتة، لكنه مركزاً تستند الأشياء والأشخاص إليه عبر علاقته بالمركز، أي المرأة. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا