• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

سقوط الحزب الجمهوري لا يمكن أن يكون سببه دونالد ترامب، لا من بعيد ولا من قريب، فأفول الحزب هو ناتج تحولات هيكلية

ترامب وأسباب انهيار الحزب الجمهوري

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 27 أكتوبر 2016

زاكري كرابيل*

هنالك الآن شبه إجماع على أن صعود دونالد ترامب ينذر بنهاية الحزب الجمهوري. وخصوم ترامب خارج وداخل الحزب يتفقون على الاعتقاد أنه بمفرده تقريباً قد أفسد مؤسسة وُضعت أسسها عشية الحرب الأهلية، وعمرها أكثر من 150 عاماً، وساهمت كثيراً في تشكيل وجه الولايات المتحدة. ولكن هذا يعطي أيضاً ترامب الكثير من الأهمية في هذا الأمر بغير مسوغات منطقية. ففي مرات كثيرة في التاريخ الأميركي، انهارت أحزاب سياسية وأعيد ترتيب الصفوف فيها بشكل جذري. صحيح أن أفراداً بارزين عجلوا في وقوع هذه التطورات، ولكنها كانت في كل حالة منتجاً لتغيرات جرت على مدار سنوات سابقة. وفكرة أن ترامب هو السبب في انهيار الحزب الجمهوري مرتبطة بفكرة أخرى كلاسيكية تدور حول شخصية الفرد الاستثنائي المحرك للأحداث. وهي فكرة خاطئة أيضاً، والأمثلة التاريخية على انهيار الأحزاب توضح ذلك.

فقد طوى النسيان حزب «الهويج» رغم أنه ظل على مدار عقدين قبل الحرب الأهلية إحدى القوى السياسية الكبيرة في الحياة السياسية الأميركية. وقدم «الهويج» رئيسين منتخبين هما ويليام هنري هارسون العام 1840 وزاكري تايلور العام 1848 وعدداً من أعضاء الكونجرس. وظل «الهويج» لفترة من الوقت قوة تحالف فاعلة للشماليين والجنوبيين المعتدلين الذين عزموا على ألا تقسمهم أو تقسم بلادهم قضية العبودية. ورغم أن هذا التيار السياسي صمد في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن التاسع عشر لكن ثبت أيضاً أنه أضعف من أن يحتوي الصراع الذي لا يمكن كبحه في أمة نصفها من الأحرار والنصف الآخر من العبيد. كما لم يضاهِ أيضاً زعماؤه المعتدلون حماس الديمقراطيين الجنوبيين ولا الحزب الجمهوري الجديد المتمرد الذي ظهر في منتصف خمسينيات القرن التاسع عشر.

ويمكن الحديث عن صعود وانهيار «الهويج» وتفاصيل كثيرة في تاريخه ولكن هذا يهمل القوى الاجتماعية الأكبر التي أدت إلى صعود الحزب وإلى انهياره. فقد بقيت عوامل، كالتوسع في اتجاه الغرب وشدة المنافسة والحرب مع المكسيك، تعمل على تشتيت الانتباه بعيداً عن وصمة العبودية. وبمجرد أن زعزع التوسع في الغرب التوازن الدقيق القائم بين الشمال والجنوب، تجمد حزب «الهويج» وسط واقع من تحول أساسي في التركيبة السكانية والعادات الاجتماعية والنظم الاقتصادية في الولايات المتحدة. وما كان بوسع فرد أن يجعل من حزب قام على أساس تحالفات ضعيفة قادراً على الصمود في وجه تطورات الأحداث في خمسينيات القرن التاسع عشر، وهكذا اختفى «الهويج» بسرعة مذهلة مع تحول ناخبيه إلى أحزاب أخرى.

وكاد الحزب الجمهوري أيضاً يختفي من قبل في العام 1912 مما أدى إلى عملية محورية لإعادة ترتيب الصفوف. وغالباً ما تُروى القصة على أنها من صنع أحد عظماء الرجال. ففي نهاية رئاسة تيودور روزفلت أيد الرئيس الأميركي نائبه ويليام هاورد تافت الذي فاز بالانتخابات العام 1908، ولكن روزفلت سئم بعد فترة قصيرة من علاقة «تافت» الودية بأصحاب الأعمال الكبار ومن غيابه عن الأضواء. فقد انشق روزفلت عن الجمهوريين ليقود قطاعاً تقدمياً يؤلف منه حزب «بول موس» ليحصد 25 في المئة من الأصوات الشعبية في انتخابات العام 1912، ويمنع «تافت» من الفوز، ويدفع بالدكتور وودرو ويلسون إلى البيت الأبيض.

ولكن شيئاً من هذا ما كان ليحدث لولا احتدام الجدل بين الأميركيين بشأن الدور الموسع الجديد للحكومة الاتحادية، وصعود التقدمية الشعبية باعتبارها قوة عميقة في الحياة الأميركية. وجاء هذا في منعطف كان يحفزه إغلاق الحدود الأميركية بنهاية القرن التاسع عشر، والتحول السريع من الزراعة إلى الصناعة والمدن. فقد اجتمعت عوامل مثل هجرة ملايين من العمال الصناعيين الجدد والمهاجرين إلى مدن جديدة وناشئة بالإضافة إلى مسعى نحو منح النساء حقوقهن الديمقراطية لتخلق مناخاً سياسياً متقلباً هدد مؤسسة الحزب الجمهوري المتراخية.

صحيح أن دور الأفراد مهم ولكن القوى الهيكلية أكثر أهمية. وفي الانتخابات الحالية، نركز مخطئين على الشخصيات وعلى حساب القوى الاجتماعية. فإن أفول نجم وسقوط الحزب الجمهوري لا يمكن أن يكون سببه دونالد ترامب، لا من بعيد ولا من قريب. وأفول الحزب الجمهوري هو ناتج عن تحولات هيكلية. والحزب الجمهوري الحديث هو نتاج سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، والمزج بين أيديولوجية الحكومة الصغيرة ونجاح الحكومة الكبيرة وأعداد منتعشة من الناخبين سكان الضواحي، وغالبيتهم من البيض على امتداد البلاد. وهذا التحالف تصدع بشدة وبعد عقود من التحولات السكانية والتحول المتواصل من صناعةٍ ذات إنتاج كبير وعدد كبير من الأيدي العاملة إلى صناعة عالية الإنتاجية قليلة الأيدي العاملة مدعومة بالتكنولوجيا، هذا بالإضافة إلى الازدهار النسبي لمدن كانت متخلفة من قبل. وهذه العوامل لا علاقة لها تقريباً بدونالد ترامب. أما مَن المسؤول عن التحولات الهيكلية؟ فإن الإجابة هي: نحن جميعاً.

* رئيس الاستراتيجية العالمية في شركة «إينفيستنت» للخدمات المالية

يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا