• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

أفول نجم يسار الوسط في القارة الأوروبية ساهم في تفاقم المشكلات الاقتصادية والسياسية الراهنة وعرقل العثور على حلول معقولة لها

أوروبا.. وتراجع يسار الوسط

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 27 أكتوبر 2016

شيري بيرمان*

تعيش أوروبا حالة من الفوضى حالياً، وأقوى دول القارة تعاني من معدلات نمو اقتصادي ضعيفة، والدول الأضعف تكافح من أجل التعافي من حالة ركود شديدة. وسياسياً وصل فقدان الثقة في المؤسسات الأوروبية والمحلية والطبقة السياسية إلى أدنى الدرجات القياسية مع تصاعد التأييد لليمين واليسار المتطرفين مما يذكي أحوال عدم الاستقرار السياسي. فما سبب هذه الفوضى؟ البعض يلقون باللائمة على الليبرالية الجديدة أي اتباع السياسات المؤيدة للأسواق قائلين إنها هي السبب في الأزمة وفي عجز الحكومات المنتخبة ديمقراطياً عن الاستجابة. وآخرون يلقون باللائمة على الاتحاد الأوروبي الذي يتهمونه بأنه غير ديمقراطي ويقوض السيادة الوطنية لدوله الأعضاء. ولهذا، في رأيهم، فقد أضعف الاتحاد الأوروبي تأييد الناخبين لحكوماتهم المنتخبة ديمقراطياً، ودفعهم إلى دعم الأحزاب اليمينية واليسارية المتطرفة. وهذه التفسيرات ليست خاطئة ولكنها لا ترسم أيضاً الصورة كاملة. وأحد الأسباب الرئيسية للأزمة الأوروبية الحالية هو تراجع يسار الوسط. ومنذ الحرب العالمية الثانية، تولى يسار الوسط إدارة حكومات، أو تزعم معارضة مخلصة في كل ديمقراطية أوروبية تقريباً. وهذا لم يعد قائماً الآن، فقد توارت أحزاب يسار الوسط عن الأنظار وضعفت بشكل كبير.

وأفول نجم يسار الوسط ساهم في تفاقم المشكلات الاقتصادية والسياسية الراهنة وعرقل العثور على حلول معقولة لها. ولم يعد اليسار قادراً على لعب دوره التاريخي في تحقيق الاستقرار. فقد قامت المجتمعات الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية على أساس مبادئ تدين بالكثير لأفكار يسار الوسط. فقد ظهر اتفاق واسع النطاق بعد الحرب على أن فوران الفوضى السياسية والاضطراب الاجتماعي الذي صاحب الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي كان نتيجة عدم ضبط الأسواق، ولذا كان تركها دون ضوابط مرة ثانية مرفوضاً. وحين أعيد بناء الاقتصاد السياسي الأوروبي تم تصميمه لضمان أن يكون زمام الرأسمالية في يد الحكومات، وأبلى النظام التالي للحرب العالمية الثانية بلاء حسناً بشكل ملحوظ، فقد ظلت العقود الثلاثة التالية لعام 1945 هي أكثر فترات أوروبا نمواً على الإطلاق.

ثم تراجع يسار الوسط وفتح الباب لبدائل سياسية كان أولها يمين الليبرالية الجديدة الذي يرى حل مشكلات أوروبا الاقتصادية في مزيد من تقليص برامج الرعاية الاجتماعية، وإعطاء المزيد من النفوذ للأسواق، وتقييد سلطة الحكومة على الاقتصاد. ومهما يكن من أمر مزايا أو عيوب هذه الاقتراحات فإنها لا تقدم جديداً لمن يعانون من عدم المساواة وضعف الدخول وفقدان فرص العمل، وتتجاهل الغضب والشعور بالاغتراب في قطاعات كبيرة من المجتمعين الأوروبي والأميركي.

والبديل الثاني هو اليمين الشعبوي الذي يناصب العولمة العداء ويخاطب المخاوف الاقتصادية لمن يجدون أنفسهم منكشفين أمام سلطة تتجاوز سلطتهم. ويجمع هذا التيار بين مناهضة الليبرالية، ولكن دون مناهضة الديمقراطية، والاكتفاء الذاتي والتضحية بالمهاجرين، وهو يكن عداء للأقليات.

والبديل الثالث هو اليسار المتطرف الذي يرى أن الرأسمالية هي أصل كل الشرور. وهو تيار جيد للغاية في حشد المستائين ولكنه لا يقدم حلولاً معقولة للمشكلات الاقتصادية، ولا يجتذب الناخبين القلقين من التغير الاجتماعي والثقافي. وهذه البدائل متنافرة الفهم للمشكلات التي تواجه الدول الأوروبية اليوم، وتجعل التوصل لحلول سياسية وسط، أو الاشتراك في حكومة فاعلة، أمراً أكثر صعوبة. ومع تقلص يسار الوسط أصبح من الصعب بناء أرضية مشتركة مع الأحزاب الراسخة الأخرى، أو تنظيم سياسة ديمقراطية بطريقة مستقرة بشكل معقول.

* أستاذ العلوم السياسية في جامعة كولومبيا الأميركية

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا