• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

حين يخلو العالم من القيم الإنسانية النبيلة

اغتراب وجودي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 27 أكتوبر 2016

د. سعيد توفيق

كنت في صبايَ أسمع تلك العبارة المفعمة بالتأوه «يا غربتي!»، حينما كان المصري يصف حالة الوجع الروحي الذي يهيمن عليه حينما يغادر مصر إلى خارجها، أو حتى عندما يغادر موطنه الصغير داخل مصر إلى بقعة بعيدة عنه، وكان أهل المغترب في مناطق نائية يعبّرون عن هذا الشعور نفسه بقولهم «يا غربته!»، متحسرين على حاله. لم تعد هذه العبارات متداولة الآن، وهو ما يثير تأملي وفضولي لكي أعرف معنى مثل هذه العبارات التي توارت، فتعجبتُ وتساءلتُ: أيكون ذلك بسبب وسائل الاتصال السريع التي جعلت البعيد قريباً وإن نأت به المسافات… وسائل الاتصال الحديثة من المواصلات السريعة، براً وبحراً وجواً، التي تختصر المسافات وتطويها في ساعات أو سويعات، ووسائل التكنولوجيا الحديثة التي تتطور كل ساعة، حتى أصبحت قادرة- في اللحظة نفسها- على جلب الغريب بصوته وصورته عبر الكومبيوتر والهاتف الجوال، وغير ذلك؟! سؤال يستدعي سؤالاً آخر: هل أسهم هذا التطور في التواصل عن بُعد في اعتياد فراق المغترب عنا، وفي شعور الغريب وشعور أهله وأصدقائه، بحيث أصبح كلٌّ منهما قادراً على الاستغناء عن حضور الآخر قدر الإمكان، عندما أصبحت الصورة والصوت عبر الأثير بديلاً عن حضوره شخصياً كشخص من دم ولحم وروح؟! يبدو أن هذا هو الذي صار في عالمنا الراهن!

«الاغتراب» ليس مجرد كلمة يمكن أن نحيط بمعناها من خلال تعريف في كلمات موجزة، لأن صوره عديدة، أغلبها يستعصي على أفهام الناس الذين نصادفهم في حياتنا اليومية، فهم يفهمون الاغتراب بمعنى الغربة، ويفهمون الغربة بالمعنى المكاني، فيقال إن الصديق أو الحبيب أو الابن أو الأخ في غربة، بمعنى أنه قد اغترب عنا. ولكن هذا ليس له صلة حميمة بمعنى الاغتراب الوجودي. فالاغتراب الوجودي ليس هو النأي أو البعاد عبر المسافات والأمكنة، فقد نشعر بحالة اغترابية في المكان نفسه الذي نعيش فيه، وإن كان لا يتجاوز بضعة أمتار من هذا الكون أو العالم الفسيح. فكم من شخص في هذا العالم يشعر بالاغتراب وهو يعيش بين أهله وعشيرته وفي الموضع الذي نشأ فيه! قد نشعر بالاغتراب إزاء ما هو قريب منا، ونتوق إلى القرب مما هو بعيد عنا! فما الأصل والمعيار في هذا الأمر. تأملت وتدبرت، فأيقنت أن مسألة القرب والبعد -باعتبارهما مسافات مكانية- هي مسألة تتعلق بخطوط الطول والعرض في الجغرافيا، وهي مسألة بالغة الأهمية بالنسبة لعلوم أخرى كثيرة. ولكن هذا ليس له علاقة بالنفس البشرية التي تعايش الوجود، فالقريب عندها قد يبدو بعيداً عن عالمها، والبعيد قد يبدو قريباً! احترت في تفسير هذا الأمر، ولم أجد له تفسيراً إلا من خلال حالي، من خلال التجربة الحية التي أعايشها مثلما يمكن أن يعايشها غيري. تداعت عليَّ الذكريات وأحوال نفسي، فوجدت أنه لم يبقَ من موضع ميلادي إلا تلك اللحظات التي شكَّلت شخصيتي دون غيرها، وتلك الأماكن التي عَلِقَت بذاكرتي باعتبارها مسكونة بلحظة ما وجودية. مما شكل شخصيتي في مرحلة متقدمة من حياتي... عالم البحر، وبوجه خاص تلك الجزر الناتئة في البحر الأحمر التي أعرف كلاً منها باسمها، رغم بعادها عن موضع نشأتي وعن الموضع الذي أعيش فيه الآن. تبعد هذه البقاع عن موضعي ومكاني مسافات شاسعة! تأملت فوعيت أن الأمكنة لا معنى لها من دون الذكرى والأحداث التي تشكِّل وعينا بالعالم الذي نعيش فيه، والذي يترك بصماته العميقة في وجداننا.

الانفصال عن عالمنا الحميم

الاغتراب بمعناه الوجودي يعني الانفصال عن عالمنا الحميم الذي ينتمي إلينا. وفي ضوء هذا يمكن أن نفهم معنى كلام ماركس عن الاغتراب رغم أنه قد قيل في سياق آخر مختلف تماماً يتعلق بمفهوم العمالة ورأس المال، إذ رأى أن العمال يشعرون بأن المنتج الذي يصنعون لا يشاركون فيه، ومن ثم يصبح غريباً عنهم بعد أن أنتجوه بأجور ضئيلة لا تساوى قيمة الأرباح التي يتحصل عليها صاحب رأس المال. قد يبدو هذا الكلام بعيداً تماماً عما نود الإفصاح عنه، ولكن المتأمل لجوهر المسألة هنا، سوف يفطن إلى أن معنى الاغتراب هو أن ما ينتمي إلينا لم يعد ملكاً لنا، ومن ثم أصبح مغترباً عنّا في نوع من البعاد. يصدق هذا على العمل الذي ننتجه ولا نملكه، مثلما يصدق على كل ما ينتمي إلينا.. إلى وجودنا الحميم، ولكنه أصبح بعيداً عنا. وهذا يعني أن كل اغتراب في النهاية هو ابتعاد ما ينتمي إلينا عن أن يكون جزءاً منا.. من وجودنا! هذا فهمي وتأويلي لما لم يستطع ماركس فهمه وتأويله من خلال أفق من عالمنا الإنساني ومن حياتنا المعيشة أكثر رحابةً.

يستولي علينا الشعور بالاغتراب أيضاً حينما نشعر أيضاً أننا نعيش في عالم غير العالم الذي شكّل معرفتنا وفهمنا ووجداننا، خصوصاً عندما نجد أن هذا العالم الجديد يخلو من القيم الإنسانية النبيلة التي عايشناها من قبل في الفكر والفن والأدب وفي مجمل السلوك الإنساني. يحدث هذا دوماً في الدول التي تتدهور أحوالها على سائر الأصعدة، حينما نجد أن الكثرة الهائلة من العوام والغوغاء تتوافق وتتعايش مع عالمها المتدهور الذي تحيا فيه، بينما تعيش القلة النادرة بلا توافق مع هذا العالم، فتلجأ إلى ركن منه تلوذ به وتحتمي من فيض الغوغاء. حدث هذا ويحدث في مصر منذ عقود طويلة، مثلما يحدث في غيرها من بقاع عالمنا. تلك هي حالتي الاغترابية كما أصفها الآن من خلال نوع من «التأمل الانعكاسي» أو تأمل الذات لنفسها، ومن ثم لوعيها بوضعها الوجودي الزماني، وهي حالة يعايشها قلة من البشر الذين يعرفون أن الماضي ليس بجزء من الزمان انقطع وجوده، ولم يعد له وجود في الحاضر، ولا أهمية له في المستقبل، فالماضي في حياة الأفراد والأمم ينطوي على لحظات حفرت في الوجود أخاديدَ عميقة، ومنه ما يمكن استحضاره واستدعاؤه باعتباره مشاريعَ فاشلة يمكن أن تنجح، أو أحلاماً لم تتحقق يمكن تحققها إنْ في الحاضر أو في المستقبل، أو دروساً لم نتعلم منها. لحظات الزمان الثلاث يجب أن تبقى موصولة في عالم الموجود البشري حينما يرنو إلى الأفق البعيد على أرض صلبة يقيم عليها ويرتكز. فليس الزمان هو متطلبات اللحظة الآنية التي يعيشها أغلب البشر ويموتون من أجلها. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف