• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

في الوضع العربي منذ وعينا لا عداوات ولا صداقات ولا حتى مصالح دائمة.. ولكنها دوماً تقلبات دائمة وانفعالات دائمة وشعارات دائمة بلا مضامين وعناوين براقة بلا كلمات

تتعدد اللافتات.. والحصاد فتات!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 26 أكتوبر 2016

محمد أبوكريشة*

لست أدري، ويبدو أنني وإياكم لن ندري أبداً متى تفيق الأمّة والشعوب العربية التي أفطرت قومية واشتراكية وتغدت تقدمية وحدوية وتتعشى وتنام الآن إسلامية «جهادية».. والحصاد في كل الأحوال هو الهشيم وقبض الريح والانهيار والسقوط الذي لا قيام ولا نهوض بعده.. والتنازع والفشل وذهاب الريح.. لا تريد الأمّة والشعوب العربية أن تغادر مرحلة المراهقة الفكرية والسياسية، حيث التقلب والتذبذب والانفعالات المنفلتة والانتقال المفاجئ من الضد إلى الضد بحيث لا تكون هناك مواقف ولا مبادئ ولا موضوعية ولا منطق.. بل هي طبيعة الأحمق الذي لا يمكن توقع انفعالاته وسلوكياته.. ولا نعرف متى أو لماذا يرضى ولا متى أو لماذا يغضب.. ولا ندري مَن مع مَن، ومَن ضد من ولماذا وكيف؟. ولا يمكن أن يصدق على العرب قول وينستون تشرشل: لا عداءات ولا صداقات دائمة في السياسة ولكنها مصالح دائمة.. ففي الوضع العربي منذ وعينا لا عداوات ولا صداقات ولا حتى مصالح دائمة.. ولكنها دوماً تقلبات دائمة وانفعالات دائمة وشعارات دائمة بلا مضامين وعناوين براقة.. بلا كلمات مفهومة تحتها وبيانات دائمة لا تساوي ثمن الورق الذي كتبت عليه.

الحرب التي تدور رحاها في أمتنا العربية لا يمكن وصفها بأنها حرب ضد الإرهاب.. فالإرهاب مصطلح ملتبس في هذه الأمّة مثل كل المصطلحات والشعارات واللافتات لدى العرب... أو قل إنه مصطلح مزاجي وهوائي نطلقه على من نشاء أو يشاء لنا من نتبعهم وندور في فلكهم ويفصّلون لنا الثياب ونحن نلبس بلا اعتراض.. كما تُنزع صفة الإرهابي عمّن نشاء أو يشاء لنا المتبوعون.. والذي كان بالأمس إرهابياً يصبح اليوم معتدلاً، والذي كان معتدلاً يصبح اليوم إرهابياً.. كما أن هناك تناقضاً في تعريف الإرهاب بين الحكومات والشعوب.. فمن تراه الدول الرسمية إرهابياً قد تراه الشعوب «مجاهداً» تقياً نقياً متديناً.. وهناك أزمة ثقة بين كثير من الدول العربية الرسمية وشعوبها.. كما أن هناك نزعة عدوانية متطرفة تتنامى بقوة لدى كثير من الشعوب العربية.. ترفض الخطاب العاقل والهادئ والمنطقي الصادق وتعشق الخطاب الزاعق الناعق الرافض الكاذب.

العرب أدمنوا اللافتات ولا يهم ماذا تحتها.. وغالباً ما تتناقض اللافتة مع مضمونها... ودائماً تكون اللافتة جميلة وبراقة لكنها في المضمون مظلمة وتحمل في طياتها عمالة وخيانة وإرهاباً وكفراً.. تماماً كما يضع الخائن الغشاش على محله أو دكانه لافتة «بقالة الأمانة».. وكما يضع المنحرفون على علبة ليل لافتة «كازينو الفردوس».. وهكذا تكون لافتات الجماعات الإرهابية التي تستخدم سكيناً لطعن وذبح الدول الوطنية العربية.. كلها لافتات إسلامية خدعت الشعوب وخدرتها.. مثل «الإخوان المسلمون».. و«الدولة الإسلامية».. و«الجماعة الإسلامية».. و«المقاومة الإسلامية».. والسلفية الجهادية.. وحزب الله.. والجمهورية الإسلامية.. وجيش الإسلام.. وجيش محمد.. ولافتات بلا نهاية كلها تتلألأ بوصف «إسلامية».. والحقيقة أنها أسماء سموها هم وآباؤهم ما أنزل الله بها من سلطان.

وقد تغيرت اللافتات أو تم تجديدها والمضمون واحد.. وهو المضمون الميليشاوي الفصائلي الطائفي.. والأسماء الإسلامية كانت بالأمس أسماء قومية.. والجماعة كانت جبهة.. فكانت اللافتات الجبهة القومية.. الجبهة الشعبية.. حركة التحرير.. الجبهة التقدمية الوحدوية.. الجبهة الاشتراكية.. وكل الفرق الهالكة سواء كانت قومية أو إسلامية، كما هي الآن إقصائية طائفية ميليشاوية.. لكنها أيام التقدمية الوحدوية الاشتراكية كانت فوقية نخبوية.. أما الآن في حقبة «الإسلامية» فقد صارت شعبية.. وهذا هو الأخطر.. لم يكن الشارع العربي متفاعلاً أبداً مع الجبهات القومية والتقدمية والتصفوية والاشتراكية.. لكنه الآن متفاعل بقوة مع الجماعات والحركات الإسلامية الجهادية التي جاءتنا بالذبح.

في كل الأحوال سواء في الحقب التقدمية أو الحقبة الإسلامية الحالية لم يتغير شيء.. هو السيناريو نفسه، فقد كانت أنظمة عربية أو دول غربية وشرقية توظف الجبهات والحركات التقدمية لتقويض دول أخرى.. وهو ما يحدث اليوم من توظيف جماعات وحركات إسلامية إرهابية لتقويض وإسقاط دول أخرى.. إنها إعادة إنتاج لفيلم قديم وسيناريو واحد بأبطال وشخوص جدد.. وفي الأحوال كلها ليس العرب لاعبين أصليين، ولكنهم ملعوب بهم، وليسوا فاعلين، ولكنهم مفعول بهم.

هي إذن حرب بين الدول الوطنية العربية وثقافة وظاهرة الميليشيات ودول الميليشيات أيضاً مثل إيران وغيرها.. وكل الميليشيات مهما تباينت راياتها ولافتاتها وشعاراتها موظفة من قبل قوى أجنبية وقوى عربية للأسف لتقويض الدول الوطنية العربية.. كانت حرباً سهلة في الماضي بين الدول الوطنية والميليشيات القومية والتقدمية لأن هذه الميليشيات لم تكن لها أرضية صلبة في الشارع العربي، أما اليوم فإنها حرب ضروس عندما صارت الميليشيات إسلامية ولها حاضنة شعبية قويّة في العالم العربي.. وحتى الآن أرى ضغوطاً هائلة على الدول الوطنية وأرى غلبة واضحة للميليشيات، خصوصاً أن الميليشيات التي تضع لافتة الإسلامية توظف في حربها ضد الدولة الوطنية جماعات اشتراكية وليبرالية وحقوقية.. كانت في الماضي متبوعة وأصبحت اليوم تابعة لأن المال أو الملاءة المالية صارت لدى الإسلاميين ولم تعد لدى التقدميين والليبراليين والحقوقيين.. وكلهم مناضلون ومجاهدون بأجر.. كلهم مرتزقة والدليل الأقوى على ذلك هو السؤال الكبير الذي لا جواب له: إذا كان الهدف واحداً والعدو واحداً فلماذا الفصائل في كل معارضة؟ لماذا الجبهات المتعددة؟.. لماذا الجماعات الكثيرة؟ بالتأكيد لأن الجماعات والفصائل تتنافس على «الفلوس».. بالتأكيد لأن كل فصيل موظف عند جهة أو دولة أو قوة ما.. وهكذا تتعدد اللافتات والحصاد دم وفتات!!

* كاتب صحفي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا