• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

عرض لـ «المسرح الحديث بالشارقة» ضمن «دبي للشباب»

«لير.. ملك النحاتين».. الذات في انشطارها والتعنت في رفض الآخر

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 26 أكتوبر 2016

محمد عبد السميع (دبي)

«يوم تخسر الذات لا ترمي همومك على الآخرين، فليس لك حق أن تضيق عليهم»، هذا ما أكدته مسرحية «لير ملك النحاتين»، من تأليف وإخراج حسن يوسف، وتمثيل إبراهيم استادي، وسالم طاهر، وعرضتها فرقة «المسرح الحديث بالشارقة»، أمس الأول، على مسرح ندوة الثقافة والعلوم بدبي، ضمن العروض المشاركة في مهرجان دبي لمسرح الشباب، العروض المنافسة.

فتح العرض على إضاءة خافته مع موسيقى ودقات وأصوات، يظهر شخصان أحدهما يتناول الشراب «لير»، والآخر نائم وسط كومة من الصحف «البهلول»، وثلاثة تماثيل «دمى» موضوعة على طاولات، موزعة وسط المسرح، وكرسي وحيد وطاولة عليها زجاجات شراب. وبقعة ضوء على «لير» وهو يغني «اعطني الناي وغني».. يصيح البهلول: «خائف.. خائف»، يسأله لير: «مما أنت خائف».. ثم يتحرك ممسكاً بزجاجة الشراب نحو أحد التماثيل ويراقصها على أنغام الموسيقى، قائلاً: «كنا أطفالاً أبرياء نضحك، نلعب بين الأزقة، تارة نغني، وتارة نقع». البهلول: «يبدو أن الشراب سيطر على عقله، الملك لير يكلم تمثالاً لا يسمع ولا يتكلم». يرد لير: «أنا لست بمجنون»، مشيراً إلى أحد التماثيل: «هذه حبيبتي (كروليه)، كانت الحياة والمستقبل.. نأكل معاً الفواكه.. البهلول متخوف من تصرفات لير».

لير: «أعمال النحت فن يحتاج إلى حرفية عالية، أعمالي تدرس في أكبر الجامعات». البهلول: «لا يتبقى من أعمال النحاتين سوى الشامخ أعمالك ذهبت هباء». لير يتحدث عن أعماله والبهلول يسخر منها. حوار ينتهي بطرد البهلول ولكنه يرفض ذلك. ليظل لير يتحدث عن نفسه بعظمة: «أنا من صنع الجمال وكحل به عيون الناظرين». والبهلول يطلب منه الخروج والتواصل مع الآخرين. ولير يتساءل: من هم. والبهلول يرد: هم من تحملهم العاصفة، يفعلون ما لا يفعله خيالك المعطل. لير: لن أخرج حتى يصلوا هنا. لير ينشغل في عمل النحت والبهلول يخبره بأن هناك رسالة أتى بها ساعي البريد.. يقرأ لير الرسالة التي احتوت على إنذار بإخلاء المعمل القديم الآيل للسقوط. البهلول: لابد من الخروج قبل هدم المبنى على رؤوسنا. لير يحضر صندوقاً مملوءاً بالرسائل القديمة ويبعثرها على رأس بهلول، يقرأ البهلول بعضها، الرسائل تطالب لير بالخروج من المبنى، ولكنه يرفض ذلك، ولا يهتم. قائلاً: لن أخرج حتى يأتي من تحملهم العاصفة لألتقي بهم وأسألهم أين سيذهبون بتاريخي. يستمر الجدال بين لير والبهلول إلى أن يقع لير فاقداً الوعي من الشراب. يحاول البهلول الاتصال بالإسعاف ولكنه يفشل. يتماسك لير باحثاً عن عرشه المفقود. البهلول يعد كرسياً فوق طاولة ليقف لير عليه، ويبدأ في مخاطبة تماثيل مملكته، ثم يسقط من على الكرسي ميتاً.

من خلال هذه التفاصيل نكتشف أن مؤلف ومخرج العرض وضع استراتيجية لتقديم الذات في انشطارها على نفسها لتقدم الصورة ونقيضها، ووضعنا أمام شخصيتين مختلفتين الملك لير والبهلول، الاختلاف في الرؤى والفكر.

«لير ملك النحاتين» تحاكي وقتنا الحالي في تناص مع فكر وتعنت لير ورفضه لجهود وفكر وعطاء الآخر. حيث اقتبس المؤلف شخصية الملك لير وبهلوله لكن بشكل معاصر من منظور فلسفي وفكري، جمع فيه كل المتناقضات في شخصية واحدة «شخصية لير»، وجعل العمل مشحوناً بفلسفات كثيرة بين الوعي واللاوعي، بين القبح والجمال، بين البقاء والثبات، بين المستقبل والماضي، بين الأصالة والحداثة.

الممثلان إبراهيم وسالم أبانا قدرات مميزة متفهمة لفكرة وأهداف النص في الأداء والحركة على خشبة المسرح. والمخرج وضع تصور إخراجه المسرحي بشكل سلس اعتمد على رؤية معاصره تعتمد على البساطة والعمق، مركزاً على إبراز الجانب الإنساني في شخصية لير.

السينوغرافيا توزعت على شكل طاولات وتماثيل وزجاجات وأدوات للنحت، والتماثيل هي إشارة إلى المملكة التي يتحكم فيها الملك لير. والرسائل القديمة والغبار والملابس المتسخة وعدم الاقتناع بوجهة نظر وآراء البهلول، أدوات تدل على تعنت شخصية لير وعدم قبولها التغيير والحوار مع الآخر، والاعتراف بدور الآخر في صناعة التاريخ والحضارة، وإضافة الجديد. وبسبب هذا العناد فقد لير كل شيء.

أشارت المداخلات في الندوة الفكرية إلى أن: حركة التماثيل على المسرح كانت محسوبة وذات دلالة، وأن المخرج اشتغل على منطقة التفكير التي هي غير مطروقة عند الكثير من المخرجين. والفكرة أخذت زمناً أطول مما تستحق، وغياب عنصر المفاجأة، والأداء التمثيلي كان على مستوى النص والفكرة. وأكدت المداخلات أن العرض وظف كل الأدوات الجمالية لكي ينقل لنا أدائية وحبكة درامية فوق خشبة المسرح.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا