• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

«البغدادي» ظل يحافظ على سرّيته ولا أحد يعرف مكانه

الرجل الغامض خلف «داعش»

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 15 يونيو 2014

تيرينس ماكوي

كاتب أميركي

رغم صيته الذائع وتردد اسمه في العديد من وسائل الإعلام، لا توجد سوى صورتين لأبي بكر البغدادي الرجل الذي يطلق عليه اليوم لقب «أقوى زعيم جهادي في العالم»، حيث تظهر إحداها ملامح باهتة لوجه دائري، فيما يبرز في الصورة الأخرى التي نشرتها الحكومة العراقية خلال شهر يناير الماضي، رجل بلحية مشذبة ووجه يخلو من الابتسامة يرتدي بدلة سوداء، لكن الصورة غير واضحة وضبابية، وكأن أحداً التقط صورة للصورة نفسها.

غير أن غموض الملامح وعدم وضوحها، يتفق إلى حد بعيد مع سيرة الرجل نفسه الذي كان وراء دخول إحدى أهم المدن العراقية في الأسبوع الماضي وسيطرته على أجزاء حيوية من العراق وسوريا. فأبو بكر البغدادي، ورغم التحركات التي تجري باسمه على الميدان، يظل رجلاً غامضاً وغير معروف بالنسبة للعديد من المراقبين، وكل ما رشح حتى الآن من معلومات حول مساره في الجهاد، أو حتى قبل ذلك، تظل منقوصة وغير مؤكدة، فيما تظل أخرى محط شك كبير إلى درجة يصبح فيها من المستحيل تقريباً التمييز بين الحقيقة والأسطورة. لكن هذا الغموض لا ينفي بعض المعطيات والحقائق المتداولة حول الرجل، منها أنه الزعيم الحقيقي لتنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش) الذي انسلخ من تنظيم «القاعدة في العراق» بعدما حاربته أميركا وأثخنته قتلاً. ويبدو أن الرجل أيضاً على قدر من الدهاء الاستراتيجي، كما أنه له قدرات معتبرة في جمع الأموال وحشد التأييد. وللتصدي له، لم تتردد أميركا في وضع جائزة حول رأسه تقدر بعشرة ملايين دولار.

بيد أن انتساب «داعش» لـ«القاعدة» لم يمنعها من الخروج عنها والاستقلال بنفسها بعيداً عن هياكلها التنظيمية، محتفظاً لنفسه بالجائزة الكبرى التي حصدها مؤخراً متمثلة في مدينة الموصل العراقية، باعتبارها المدينة الواقعة على مفترق طرق حيوي يصل العراق بتركيا وسوريا. وبعد سنة من القتل والبطش، لا شك أن البغدادي تخطى حتى زعيم «القاعدة»، أيمن الظواهري، في النفوذ والسطوة، إذ وفقاً لما كتبه ديفيد إيجناتيوس في «واشنطن بوست»، يبقى البغدادي «الوريث الأحق بعد أسامة بن لادن بقيادة تنظيم القاعدة من غيره». ويتابع الكاتب أن البغدادي «أكثر عنفاً وبطشاً ومناهضة لأميركا» من أي زعيم آخر، فيما لم يفلح الظواهري، حسب مسؤول في الاستخبارات ينقل إيجناتيوس عنه، في التأقلم مع التطورات المستجدة، بل إن البغدادي شرع في تجنيد المقاتلين من تنظيمات تتبع تقليدياً لـ«القاعدة» الأم بزعامة الظواهري، مثل فرع «القاعدة» في اليمن، وحتى في صفوف تنظيم «الشباب» بالصومال. هذا النفوذ المتصاعد للبغدادي يؤكده ريتشارد باريت، المسؤول السابق عن مكافحة الإرهاب في الاستخبارات البريطانية، قائلاً: «لعشر سنوات أو أكثر ظل الظواهري محاصراً في المنطقة الحدودية بين باكستان وأفغانستان، ولم يقدم طيلة هذه الفترة على أي نشاط عدا إصدار البيانات وأشرطة الفيديو، فيما قام البغدادي بعمل جيد، حيث استولى على المدن، ونجح في تجنيد عدد كبير من المقاتلين، وهو اليوم يقتل من دون رحمة في كل من العراق وسوريا. وإذا كان أحدهم يحق له الاختبار بين الرجلين فلابد أنه سيختار البغدادي».

وتشير البغدادي، المولود لعائلة سنية عام 1971 بمدينة سامراء تحت اسم عواد إبراهيم علي البدري السامرائي، إلى أنه «رجل ينحدر من عائلة متدينة، فقد مارس إخوته وأقاربه الوعظ ودرسوا في الجامعات». وتشير السيرة أيضاً إلى حصوله على شهادة الدكتوراه من الجامعة الإسلامية في بغداد، كما يُعتقد بأنه مارس الوعظ الديني في عام 2003 عندما اجتاحت القوات الأميركية العراق. وكان لحالة الفوضى والاضطراب وقتها أن دفعته للعمل المسلح في شرق العراق، لكن نشاطه ظل سرياً ولم يبرز قط إلى السطح.

لكن السيرة تصل لحظة مفصلية وتبدأ خيوطها في التكشف خلال 2005 عندما اعتُقل البغدادي من قبل القوات الأميركية وأمضى أربع سنوات في معتقل «معسكر بوكا» بجنوب العراق، وهي الفترة التي التقطت له فيها صورته المتداولة اليوم. وعلى الأرجح أنها كانت هذه الفترة التي التقى فيها البغدادي عناصر «القاعدة»، وتلقى تدريبه على أيديهم. وبحلول 2010 كان البغدادي قد نال ما يكفي من التقدير والاحترام في صفوف الجهاديين بعد مقتل عدد من زعماء «القاعدة» ليتولى قيادتها بنفسه، لكن في تلك الآونة كان النشاط المسلح لتنظيم «القاعدة» في أدنى مستوياته.

بيد أن الزلزال الذي ضرب سوريا ودخولها في مرحلة الاضطراب الشديدة، وما تلا ذلك من حرب أهلية مستمرة، أنتجت فراغاً في السلطة وغياباً للدولة في مناطق شاسعة، ليعطي هذا الأمر زخماً كبيراً للتنظيمات المتطرفة وعلى رأسها «داعش». وخلال سنوات الثورة السورية، توافد على سوريا ما لا يقل عن 12 ألف مقاتل من الخارج، ثلاثة آلاف منهم من البلدان الغربية، وحتى عندما بزغ اسم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» حافظ البغدادي على سريته، بحيث يقال إنه لا أحد يعرف مكانه. وتفيد التقارير بأنه حتى في الحالات النادرة التي كان يلتقي فيها بأحد المعتقلين كان يفعل ذلك مقنعاً. وبحسب أحد الخبراء الذين نقلت عنه وكالة الصحافة الفرنسية، لم تعد «داعش» بقيادة البغدادي تنظيماً يرتكز على الشخص والزعيم، بل على «أيديولوجية عابرة للحدود»، خاصة بعدما انفرد الرجل بقيادة التنظيم وخروجه عن التنظيم الأم «القاعدة». ومنذ ذلك الحين، وقوة البغدادي تتصاعد بموازاة صعود «داعش» نفسها.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفيس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا