• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

رواية «رجل مُتعدد الوجوه» جديد الكاتب المغربي إبراهيم الحجري

صرخة من أجل البدو المطمورين في الغياب

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 14 يونيو 2014

محمد نجيم (الرباط)

أصدرت دارت توبقال في المغرب، الرواية الجديدة للكاتب والناقد المغربي إبراهيم الحجري بعنوان «رجل متعدد الوجوه»، وهي تحكي أحداثا تشتبك وتتداخل في فضاء البادية (قرية عيّاد السبع)، لكنها تدور حول قطب واحد هو بطلها (السيد الرئيس) الرجل الثعلبي (المتعدد الوجوه) الذي راهن بثقة مُنتخبيه البدو السذج مُستغلا وضعيتهم المنكوبة، ومُوظفا سمعة والده الفقيه أحد أعيان القرية ليبلغ غاياته المادية في الاغتناء بدماء المواطنين، يشتري أصوات الناس بلُقم قليلة ووعود كاذبة ليحقق مصالحه الشخصية.

يستمر الجشع في إغراء الشخصية الرئيسة بضرورة المزيد من الحصاد للضحايا، والوطء على كرامتهم بلذة مُبالغ فيها وسادية لم يسلم منها حتى من هم في علاقة عائلية مع السيد الرئيس (الخال والأقارب والجيران) أو حتى القاصرين والأيتام والأرامل وغيرهم. كل بالنسبة إليه مجرد عتبات أو مطايا سهلة لبلوغ أهدافه غير النبيلة.

لكن الأقدار، في القصة تسير، بشكل مُشوق يسحر القارئ، معاكسة للبطل حيث يُصاب بشكل فجائي بمرض السرطان العضال الذي يجعله يطير إلى باريس جريحا من أجل استشفاء قُدر له ألا يعود منه إلا محمولا على نعشه، وهناك، وهو في جحيم المصحات، يعود بذاكرته إلى صباه، ويتذكر ضحاياه واحدا واحدا، ويتعذب بمحاسبة نفسه، في حضرة شبح شيخ ظل يطارده طيلة مرضه إلى أن رحل إلى قبره.

بينما يسعى السيد الرئيس/ الوزير إلى استعادة قوته التي يبددها المرض يحاول تذكر أمجاده في باريس مع الجسد والمال والجاه، في وقت تمر فيه عائلته بأحلك الظروف، حيث نصبت الخيام وكثر الزوار في القرية استعدادا لخبر الوفاة المنتظرة، وفي هذه الأجواء الحزينة يقف الضحايا وقفة مع الذاكرة لاستحضار المآسي التي سببها لهم السيد الرئيس بين متشف وذاهل وحائر أمام أقدار الدنيا. وما إن تهالكت صحة الرئيس (البطل) حتى استغلّ أفراد أسرته فرصة غيابه لممارسة الغدر المُضاد، فزوجته تدمن في غيابه على علاقة آثمة مع الحارس الليلي، انتقاما لكرامتها المهزوزة، أما ابناه ماريا وعبد الغفور، فيضاعفا لهفتهما إلى اقتراف المزيد من التبذير وهدر المال واقتراف الملذات المحرمة.

إنها رواية تُمأْسي خطاب التهافت على الثروة الحرام والسلطة، وتنتقد شدة التطاول على القيم والأعراف وعلى الإنسان.

رواية المغربي إبراهيم الحجري، تكشف واقع التهافت على المصلحة الشخصية، بعيدا عن فلسفة الانتماء للوطن، ونكران الذات، والعمل على إنشاد التغيير وإسعاد الغير. وتأخذنا الرواية إلى عوالم الذل والانكسارات والمرض والموت. إنها نص سردي يدعونا فيه الناصّ إلى إعادة الاعتبار للبعد القيمي في العمل السياسي، وتخليق الحياة العامة.

وتُصور الرواية المجتمع القبلي، بكل تناقضاته وتعري ظروف العلاقات والطقوس التي تميزه عن غيره، ناقلة حالات التمجيد التي يتكفل بها التزييف، والمجاملة، والعبث، والسذاجة. إنها صرخة البدو المطمورين في الغياب صرخة لكن في صورة سرد روائي عميق وهادف.

ومن أجواء الرواية نقرأ: «في صباح ما من صباحات باريس البليلة بالطل وروائح العطور، حيث كان يفترض في السيد الرئيس العليل أن يستيقظ مع أول طلة لشعاع الشمس من نافذة غرفته بطابق علوي من فندق باريسي لا باس به، كان قد تعود النزول به كلما حل بفرنسا ضيفا، لكنه في ذلك الصباح لم يستيقظ، فقد تمكن منه المرض وأحكم حبائله حوله وأدخله في غيبوبة تامة، أخبر المسؤول عن الفندق السلطات التي بادرت بنقله إلى أقرب مستشفى حيث أدخل جناح العناية المركزة جدا. لكن حالته كانت تتحول من السيئ إلى الأسوأ. انقطعت الأخبار عن الأهل واختل التواصل بفعل سكوت هاتف السيد الرئيس إلى الأبد، وبعد أيام قليلة من حدوث ذلك الخلل وصلت، إلى الدار الكبيرة، حيث يتحلق الأهل والأصدقاء والأحبة حول «براريد» الشاي وصحون الحلوى، برقية رهيبة تعلن عن وفاة الرئيس بمستشفى باريسي إثر مضاعفات حادة لداء السرطان الذي أحدث خللا مفاجئا في وظائف كل الأعضاء مما أدى إلى الموت (...) هكذا قدر للرئيس أن يذهب إلى باريس التي أحبها وعشقها طوال حياته دون أن يعود، ظلت الروح متعلقة بسحر باريس وشهواتها ومغرياتها؛ وعاد الجسد المكدود إلى تربته الأصل؛ فلا يبدو أن باريس بتحررها، ستقبل أن تدس بين تربتها تربة مترعة بدنس غريب لا يمت للإنسانية بصلة. ولكم أن تتصوروا السرعة الماراثونية التي تمت بها إجراءات نقل الجثة من باريس إلى البيضاء، ومن البيضاء إلى مسقط الرأس! القرية المهدودة التي أحالها الفقر والاستغلال والجفاف مقبرة للضعفاء الذين قدر لهم أن يعيشوا، كيفما اتفق، مسحوقين بما يكيد لهم مسؤولوهم ومنتخبوهم من مكائد ودسائس».

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا