• السبت 08 ذي القعدة 1439هـ - 21 يوليو 2018م

بدأ منذ عهد الصحابة

«الوقف» من أهم خصائص الإسلام وسمات حضارته

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 13 يوليو 2018

حسام محمد (القاهرة)

منذ صدر الإسلام حرص الصحابة على التوسع في مفهوم الوقف، حتى أن الصحابي الجليل جابر بن عبدالله قال: لا أعلم أحداً كان له مال من المهاجرين والأنصار إلا حبس مالاً من ماله صدقة مؤبدة لا تشترى ولا توهب ولا تورث، والثابت أن مفهوم الوقف بدأ بالظهور في حياة المسلمين منذ عهد الصحابة، وبمرور الزمن تم التوسع في تطبيقاته، وكان أغلب الوقف من الأراضي والبساتين والنخيل والآبار في المدينة ومكة، ثم الشام والعراق ومصر وغيرها من البلدان التي انتقل إليها الصحابة بالفتوحات المختلفة، وهو ما يعني أن الوقف أحد أهم خصائص الإسلام ومميزات نظامه العام، وسمـات حضارته الرائدة وهو من أعظم القوانين الاجتماعيـة التي أثرت في عمران البلاد الإسلامية وأخلاق أهلها قديماً وحديثاً.

طريق البر

البداية مع الدكتور عبد المقصود باشا، رئيس قسم التاريخ الإسلامي بجامعة الأزهر، يقول: الوقف واحد من أعظم سبل الخير وأقدسها وطرق البر وأنفعها، فقد ساهم الوقف في بناء كل ما هو مهم وضروري لحياة الإنسان، فبنى المساجد والمستشفيات والمعاهد العلمية وأعان الدارسين على تحصيل العلم ولم يترك مجالاً من المجالات إلا وساهم فيها بفضل الله تعالى، ومساهمة من الأثرياء المسلمين في وقت كانوا يعرفون فيه قيمة الصدقات الدائمة ولو رجعنا لتاريخ الوقف في الإسلام فسنجد أن الوقف بدأ في العصور التي تسود فيها الحياة الدينية وسعى إليه المؤمنون الذين سمت أرواحهم وتعالت نفوسهم فآثروا الزهد والعفاف في الدنيا عن التمتع بملذاتها ونعيمها، وقد كان وسيظل دوماً، إن شاء الله، ظاهرة اجتماعية انبثقت من الخلق الإسلامي الذي يسمو بالفرد، وهكذا كان الكثير من الأثرياء ينشئون المدارس ويوقفون عليها الأوقاف الكبيرة التي تساهم في الإنفاق على الدارسين فيها، وكان ذلك من الأمـور الشائعـة في مختلف مجتمعـات العالم الإسلامي، كذلك كان هناك أثرياء أوقفوا بعض ممتلكاتهم لبناء مستشفيات فلم تعد الأوقاف قاصرة فقط على الصرف لجهة الفقراء والمساكين، بل بدأت وقتها مفاهيم تنوع الخدمات الوقفية بحيث أصبح الوقف في تلك الأزمنة يمثل الممول الرئيس للمجتمع الأهلي وفي تلك الفترة بدأ التفكير في تنظيم الأوقاف، حيث قام القـاضي «توبة بن نمير» في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك بإنشاء ديوان مستقل للأحباس.

يضيف د.عبد المقصود باشا: وفي العهد العباسي كثرت الأموال الموقوفة، وبلغت الذروة في الأندلس والمغرب ومصر والشام، ويروى أن أراضي الوقف بلغت ثلث مجموع الأراضي الزراعية وبفضل الوقف وحرص المسلمين على إحياء تلك الشعيرة بشكل دائم في تلك الفترة من التاريخ الإسلامي، فقد اختفى أو كاد الفقر ولم يكن هناك متسولون، لدرجة أن هناك من الأثرياء من أوقف ماله أو جزءاً منه لإنشاء بيوت للضيافة يستضيفون فيها الفقراء والمحتاجين، وهكذا قام الوقف في مختلف العهـود الإسلامية بدور فعال ونهض بدور اجتماعي واقتصادي وثقافي كان له أثـره في تخفيف الوطأة إلى حـد بعيد على الميزانية العموميـة، وكفل للعديد من العلماء أرزاقهم كي يتفرغـوا لشؤونهـم العلمية؛ إذ ينبغي لطالب العلم ألا يشتغل بشيء آخـر غير العلم ولا يعرض عن الفقه.

والحقيقية - يستطرد رئيس قسم التاريخ الإسلامي بجامعة الأزهر - فإن الوقف من أهم الأمور التي تميزت بها الشريعة الإسلامية، وقد جاءت فيه الأحكام الفقهية واضحة، باعتباره عملاً يستمر أجره لصاحبه، ويستمر نفعه للموقوف عليهم إلى ما شاء الله، لافتاً إلى أن هناك إمكانية لجعل الوقف استثمارياً، وتطويره على أن يكون عائده على ما وقفه عليه الواقف، سواء كانت جهات بر خاصة أو عامة في التعليم أو طباعة الكتب أو إنشاء المستشفيات والمصانع، مع وجوب أن تتوافق مع شروط الواقف والقواعد الأساسية في الوقف والذي يشكل صورة ناصعة للتكافل الاجتماعي بين أبناء المجتمع، وتبين هذه الظاهرة مدى روح المحبة التي سادت بين أبناء المجتمع المسلم، فالإسلام خطط دنيوياً واجتماعياً على أن المجتمع المسلم ككل لا يخلو من ظروف طارئة تداهم البعض مما يستدعي تدخل أدوات المساعدة وضمن هذه الأدوات الوقف الذي هو في المحصلة من الحلول الحاسمة لرأب الصدع وإعادة التوازن المعيشي والاجتماعي للمجتمع. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا