• الاثنين 03 ذي القعدة 1439هـ - 16 يوليو 2018م

كرواتيا حتى الجنون!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 13 يوليو 2018

بدر الدين الإدريسي

إذا كان هذا المنتخب الكرواتي غير مجبول على بيع الإثارة بالتقسيط المريح، وإذا لم يكن متخصصاً، في جر كل مبارياته إلى الأزمنة المحظورة على المرضى بالقلب، أو حتى الذين يشتكون من ارتفاع الضغط، وإذا لم يكن بارعاً في تقمص شخصيات ألفريد هيتشكوك، وإذا لم يكن هائجاً كالبحار وفي جوفه ترقد الأعاصير، فماذا يا تراه يكون؟

أعترف أنني سقطت في حب هذا المنتخب الكرواتي، منذ أن نجح في إشهار وجوه الإفلاس الفني والتكتيكي لمنتخب أرجنتيني ودع مبكراً، ومنذ أن تقدم بثبات إلى الدور الثاني، محققاً العلامة الكاملة في الدور الأول، ومقدماً إشارات قوية على أنه أهل لأن نراهن عليه، وأهل لأن نترصده في كل المباريات، فمعه الإثارة مضمونة.

يكفي أن نطالع الهيكل التكتيكي والمقوم النفسي والذهني الذي يقوم عليه هذا المنتخب، لنجد خليطاً من العبقرية والتضحية، فالكروات يلعبون من أجل الوطن الناشئ، من أجل كتابة صفحات جديدة في تاريخ بلد يلتحم بتراثه ورموزه وقيمه، ومن أجل صناعة الفرح الذي يستطيع لوحده أن يعالج مآسي الماضي الحزين الذي طالت معه أزمنة العذاب.

والعبقرية في هذا المنتخب يجسدها جيل يتفوق اليوم رسمياً على جيل دافور سوكر، بالوصول للمرة الأولى إلى المباراة النهائية لكأس العالم، وأيضاً بوجود قامات كروية فارعة تغطي عين الشمس، جيل يقوده العميد لوكا مودريتش الذي تعلو كثيراً وطنيته وسخاؤه وكاريزميته على قامته.

قد لا يختلف المنتخب الكرواتي كثيراً عن كل المنتخبات التي انسحبت من السباق نحو كأس العالم، في أشكال تنشيط المنظومة التكتيكية، وفي نوعية الخامات البشرية الموجودة، إلا أن هناك فارقاً غير مرئي هو ما يجعل القياس أحياناً مستحيلاً، الفارق في المشاعر والأحاسيس التي تغذي هذه المنتخب الكرواتي، مشاعر قومية تسحب كل اللاعبين إلى حالة هلامية من التعبئة التي تساعد على قهر كل الذي يستنزف المخزون اللياقي، وأبداً لم يكن غريباً أن يصل المنتخب الكرواتي في كل مبارياته الحاسمة التي أعقبت الدور الأول، للزمن الإضافي من دون أن ينال ذلك لا من عزيمته ولا من رصيده البدني، فقد تمكن دوناً عن كل منافسيه من حسم النتائج لصالحه في اللحظات الأصعب والأنكى، وكأنه يعشق الخروج بالانتصارات من عتمات المعاناة.

ومن يعتقد أن المنتخب الكرواتي سيدخل المباراة النهائية منهكاً بدنياً، قياساً بالمجهود الأقل الذي بذله الفرنسيون، فهو حتما لا يعرف ما يمكن أن تفعله المشاعر القومية بالإنسان، فالكروات لهم القدرة على قهر المستحيل، أو حتى اللعب على الركب.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا