فاعلية الأثر والتأثر أو تقاطع بلاغات في نصٍ ما مأخوذ من نصوص أخرى سابقة أو متزامنة

التناص.. ذاكرة القصيدة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 02 يونيو 2011

أ. د. ماهر مهدي هلال

يعد التناص عنصراً جوهرياً في بنية النصوص الإبداعية وتلقيها ويكثف فاعلية اللغة وتماهيها في بنية النص وأنساقه، ويعتبر التناص من المفاهيم النقدية التي تنتمي إلى مرحلة ما بعد البنيوية التي أعادت النظر في مسلمات نظرية الأدب الحديثة، ويندرج هذا المفهوم ضمن الإنتاجية النصية التي تهتم بالكيفية التي يتم بها توالد النصوص وخلقها، وفق بناء النص على نص سابق، على أساس أن المكون النصي اللغوي عبارة عن تفاعل وتبادل بين النصوص وفق رؤية (كرستيفا) النقدية الجديدة التي تنظر إلى النص كملفوظ لغوي واجتماعي في آن.

تؤكد رؤية كرستيفا النقدية انفتاح النص على عناصر لغوية تتحكم في صياغته وشعريته (1). وعلى ما قرره الباحثون فإن جوليا كرستيفا أول من اشتق المصطلح واستخدمه في مقالتها النص المغلق عام 1967، وقررت تعريفه بأنه (تقاطع بلاغات في نصٍ ما مأخوذ من نصوص أخرى سابقة أو متزامنة) (2).

وقد تبنى رولان بارت أولا ثم رفاتير التناص وجعلا منه أحد الأبعاد المهمة لقراءة النص الأدبي في جانبه النظري والنقدي (التطبيقي)، وقد أولى بارت التناص أهمية خاصة في مقالته في الموسوعة العالمية رابطاً بينه وبين الاقتباس إذ قال: (إن كل نص جديد نسيج جديد لاقتباسات ماضية). (أنظر نظرية التناص ص 13 ونظرية المصطلح النقدي ص 301).

ويتبنى منظرو التناص أثر القراءة في إنتاج النصوص ولذلك فليس بالضرورة أن تكون الاقتباسات من مدونة أدبية يمكن حدها بقوسين وإنما قد تكون من اشتغال الذاكرة؛ بمعنى فعل فعله المعرفي والإبداعي في إنتاج النص الجديد وعليه (لا يقتصر التناص على مصدر أو تأثير محدد في وعي منتج النص)، فالنص حقل عام من تراكيب مغفلة من النادر إدراك أصلها، ومن اقتباسات غير واعية أو آلية بوصفها مكوناً من مكونات المعنى الذهني الذي يلبسه منتج النص.

وقد أفرز المترجمون للمصطلح أنواعا وتفريعات مختلفة تتجذر في تنوع مصدريتها الأجنبية، وهذا الداء الذي ابتلي به النقد العربي، فكل مترجم يفهم دلالة المصطلح بمرجعية تلك اللغة ومرجعيته الثقافية. فقد ذهب صاحب نظرية المصطلح النقدي إلى التفريق بين مسمَّيين: التناصية والتناص. وذهب إلى أن التناصية تتسق مع النظرية، ونوه إلى وضع المصطلح ضمن منظومة الإيقاعية الوافدة على سبيل المصدر الصناعي (الأسلوبية والتفكيكية والبنيوية). والتناص يتسق مع الظاهرة الفرعية حسبما تستقر على النظرية، حيث تصبح لها دلالاتها المطلقة في الاستخدام اللغوي، ويحاول بهذا التفريق أن يركز على أن ما لم يقع على النظرية يصبح مفهوماً عائماً لتصورات مختلفة، قد تفسر قواسم مشتركة في تجلّي النظرية أو تكون هي تقنيات توجهها التطبيقي مع ما استقر في الطرح النقدي العربي الموروث، والتي نهض عليها التصور عند البعض قبل أن تستكمل النظرية أبعادها المعرفية تجاه فروضها، ولم تكن النظرية لتأتي معنية بما استقر وشاع لدينا في مفهوم (التضمين) أو الاقتباس، أو التلميح أو التوليد وإن كانت قد تمثلت جوانب منه (نظرية التناص ص 66 والمصطلح النقدي ص 298).

وعليه فإن التصور القائل إن التناص تضمين نص إلى نص آخر أو استدعاء نص لنص آخر يتفاعل معه، لم يكن ليضيف جديداً إلى المعرفة النقدية أكثر مما استقر لدينا على مصطلح (التضمين)، والأمر ذاته ما ترجمته سامية محرز لما أسماه (جيرار جنيت) بـ (التضمين النصي) يعني (العلاقة التي تنشأ بين نص معين ومجموعة من النصوص الأخرى في تراث الكاتب القومي أو التراث العالمي عامة) ما كان ذلك مقصوراً على ظاهرة (التضمين)، وأدنى منه ما ترجمه (وليد خشاب) إلى ( تناصّي) معنياً بالإشارة إلى علاقة بين نصين تعتمد على الاستدعاء عن طريق (الاقتباس) وقد يتسق التصور مع النظرية بشكل مكثف لدى (محمد عناني)، بتمثل تقنيتها على أن (التناص معناه في أبسط صوره هو التفاعل داخل النص بين الطرائق المختلفة للتعبير المستقاة من نصوص أدبية أخرى أو من كتابات أخرى غير أدبية (المصطلح النقدي ص 298).

وليس من مهمة هذا البحث أن يؤرخ للمصطلح من دلالته عند الشكلانيين الروس وحوارية (باختين) وصولا إلى كرستيفا، التي وسمت المصطلح بـ (التناص)، بل التنويه بالمثاقفة الفوقية التي يعتقدها المنظرون للمصطلح، وقسر المفهوم في التطبيق للاتكاء على سجل النقد العربي المنجز في مراحل متقدمة تحت مسميات مختلفة كلها تصب في خانة هذا المصطلح وتحتويه... بل وتتعداه... في استغراق التحليل والقراءة المتخصصة لسجل النصوص... وهذا الشأن المعمّى عليه في مجال النقد والبلاغة العربية يحتاج إلى تبصير وعمل دؤوب، فما دام كل مصطلح محدث في قراءة النصوص ووصف بنيتها براءة اختراعه مسجلة منذ زمن بعيد في النقد العربي، فلم لا نعمل على إيجاد مؤسسات لها خاصية معرفية لتبني هذه المثاقفة وإشاعتها بالتقابل في النقد الغربي؟ وإحياء الجانب التطبيقي ونقله إلى عالم المصطلح الجديد. فقد وجدت الأسلوبية بعد كتاب المسدي (الأسلوبية والأسلوب) حيرة في فهم العمق المعرفي الذي انطوت عليه الترجمة لنقل اللسانيات إلى عالم الأدب بمقولة... الأسلوبية جسر اللسانيات إلى الأدب.

وعندها لم تجد مناصا لمقاربة فهمها إلا الاتكاء على البلاغة العربية في التطبيق... فكان كتاب محمد عبد المطلب البلاغة والأسلوبية شاهداً على ذلك، وهكذا انطلق تمثل الأسلوبية في الدراسات النصية وإذا هي ليست كما زعم جيرو (الأسلوبية بلاغة القدماء)، وإنما أقول: البلاغة هي أسلوبية المحدثين على الرغم من حجة المعيارية والوصفية.

وهذا الذي دعاني للكتابة في هذا المصطلح، منوهاً بما ذكر عن اختلاف أهل الترجمة في حدّه الذي (لم يتفق أحد من المترجمين العرب مع غيره على نقله إلى العربية، فهنالك أكثر من عشرين مصطلحاً مترجماً، فيقولون التناص، وتداخل النصوص وتطابق النصوص والنصوصية، والنص الظل والنص الغائب وهكذا(3) وفي مثل هذه المسميات تحفل كتب البلاغة والنقد ومنها:

- المواردة

ويسمى وقوع الحافر على الحافر وهو اتفاق نصين في اللفظ والمعنى من دون أخذ كقول ابن ميادة:

مفيد ومتلاف إذا ما أتيته

تهلل واهتز اهتزاز المهند

فقيل له: هذا للحطيئة فقال: الآن علمت أني شاعر.

- الإدماج

هو أن يضمّن كلام سبق لوصف وصفاً آخر، وهو أخص من الأول وأعم من الثاني؛ قال أبو الطيب:

أقلب فيه أجفاني كأني

أعد بها على الدهر الذنوبا

ضمّن وصف الليل بطول الشكاية من الدهر.

- الاستتباع

هو الوصف بشيء يستتبع وصفاً آخر إما مدحاً أو ذماً، كقول المتنبي:

نهبت من الأعمار ما لو حويته

لهُنّئَت الدنيا بأنك خالد

مدحه بصفة الشجاعة على وجه استتبع مدحه بكونه سبباً لصلاح الدنيا حيث جعلت مهنأة بخلوده.

ومن المصطلحات الدالة بوجه من الوجوه على مفهوم التناص (الكلام الجامع)، و(إيراد المثل) و(الإغراق) و(مراعاة النظير) و(الإيغال) و(الترقي)، ولعله أدل المصطلحات عليه: وهو أن تذكر معنى ثم يردف بما هو أبلغ منه (4).

وظائف نص التناص

يعتبر تصنيف نصوص التناص عملاً نقدياً للكشف عن أشكال التناص لتحليل وظائف الأخذ أو استعارة أو تمثيل نصوص سابقة، ويمكن إرجاع هذا المفهوم إلى ما يسمى (أيدلوجيات التناص) الذي يحسم كثيراً من الصيغ التي تبيّن فاعلية الأثر والتأثر في تشكيل النصوص في الشأن العام للأدب ويمكن إجمال هذه الوظائف في: التحويل الثقافي الذي ينتج الجديد في علم البلاغة التعبيرية. تفعيل المعنى: بأن يمنح النص شحناً دلالياً مختلفاً بتبديل مسار الدلالة من خلال (عمل تحويلي). مرآة الذات: وذلك بتحويل النصوص المأخوذة بآلية الدلالة كي تصبح موضوع ذات (المبدع).. الذات المضطرة إلى إعادة صياغة بلاغاتها من أجل تعريف نفسها.

ومن الوظائف الرئيسية التي يؤديها مفهوم التناص في النظرية النقدية الحديثة، الوظيفة التحويلية والدلالية، وذلك بإعادة إنتاج المادة المقتبسة بحالتها القائمة أو بتحويلها ونقلها وتبديلها(5).

وقد كانت كريستيفا من الأوائل الذين أخذوا بمبدأ التحويل بوصفه آلية من آليات النقد الأساسية التي يقوم عليها التناص، وبذلك حسمت التداخل الواقع بين التناص ودراسة المصادر أو التأثيرات كما هو الشأن في الشعرية التاريخية والأدب المقارن.. ولعل هذا ما جعل الباحثة في تعريفها للنص الأدبي لا تقف عند حدود القول: (إنه عبارة عن لوحة فسيفسائية بل أضافت أن كل نص هو امتصاص وتحويل وإثبات ونفي لنصوص أخرى) (6).

والذي يعنينا هو القراءة النقدية العربية الحديثة للتناص والدراسات التي استفادت من إنجازات المصطلح عند الغربيين، وربما ساعدت على تطوير المنجزات النظرية بالتطبيق، وعليه قرر صبري حافظ في دراسته (إن من آليات التناص في كل عملية حوارية معرفة النص الغائب ومسألة الإزاحة والإحلال). (المصدر السابق ص 27، وينظر التناص وإشارات العمل الأدبي / صبري حافظ).

وهذه الآليات لا تتم إلا ضمن سياق محدد يقوم بدور فعال في صياغة النص الجديد وتحويل علاقته، ويرى محمد مفتاح بهذا الخصوص (أن الشاعر ليس إلا معيداً لإنتاج سابق بحدود من الحرية سواءً أكان ذلك الإنتاج لنفسه أو لغيره). واتخذ هذا التوصيف من أن التداعي التراكمي والتقابلي آلية من آليات التناص التي تتحكم في كل عملية تناصية وقد جعلها في مكونين: التمطيط / الإيجاز معتمداً على أشكال الإحالة التي قسمها حازم القرطاجني إلى: إحالة تذكرة أو إحالة محاكاة أو مفاضلة أو إضراب أو إضافة) (7).

وقيد هذه الإحالات في بنية التناص لا على مدى إبداعية النص المنتج، وإنما يجب أن ينصب الاهتمام على وظائفه بناء على مقصديّة قائلة أو مؤلفة ونوعية المخاطب به في زمان ومكان معينين، وعليه فإن إعادة إنتاج الشاعر العباسي ليست هي إعادة إنتاج الشاعر الأندلسي؛ فإنتاجية الشعراء ليست على وتيرة واحدة وإنما تكيّفٌ بحسب المخاطب وظروف إمكانية الإنتاج (المصدر السابق ص 125 / 127 وينظر دينامية النص ص 102).

إن ذاكرة الأعمال الأدبية تشكل حيزاً غير مستقر، حيث يسيطر النسيان والذكريات الهاربة والاستيعاب المفاجئ ولعل تبني الآليات النصية لعمل الذاكرة، يشير إلى قيمة الأعمال السابقة أو المتزامنة مع أعمال معاصرة، والتحكم في آليات وأثر السابق في اللاحق في المجال النقدي يعبر عن اهمية الذاكرة في هذه الآليات (التناص ذاكرة الأدب ص 46).

وفي مفهوم عام لمنهجية التناص الأدبي يمكن القول: الكتابة إذن إعادة للكتابة: (أي أن البناء على أساسيات قائمة والمساهمة في عملية الخلق المستمرة على حد قول فلوبير لشخص سأله من أين جاءه ما يكتبه قال: (تخيلت وتذكرت وتابعت) (المصدر نفسه 52).

مستويات التناص في الموروث الشعري

لقد كان الإبداع العربي ولاسيما الشعر متناصاً في بنيته آخذاً بعضه برقاب بعض، فإنه (ليس لأحد من أصناف القائلين غنى عن تناول المعاني ممن تقدمهم والصب على قوالب من سبقهم) (8).

وإلى هذا التناص نوه ابن طباطبا وغيره من النقاد والبلاغيين بأهمية الرواية والتشبع بأساليب الفحول في تكوين الشعراء المجيدين، حتى تتسع حافظتهم وتترسخ النصوص في ملكاتهم بحيث يسهل النظم على منوالها(9).

وقد كان من نتائج ذلك أن أصبح النموذج الشعري العربي القديم يفرض سلطته الفنية على كل كتابة إبداعية جديدة مما ضاعف من أزمة الشعر المحدث... الذي بدأ في تناصه... بصيغة الأدنى... على أن النقد يميز بين النصوص المحولة من النموذج والنصوص المشوشة في تغايرها وقد أفرز تداول المعاني رؤى نقدية وسمت تارة بالسرقة وتارة بالحذو والتضمين والاقتباس.

فقد كانوا يعاينون نوع (التفاعل النصي) فيجدون له مصطلحاً خاصاً يختلف عن غيره وهذا يعني أن الجهاز المفاهيمي الذي اعتمده القدماء في متابعة الإبداع متنوع في قراءته فتنوعت مصطلحاته (10).

وقد أشار حازم القرطاجني إلى آليات التناص وبين أن لاقتباس المعاني واستثارتها طريقان، أحدهما: يقتبس بمجرد الخيال وبحث الفكر وثانيهما: يقتبس بسبب زائد على الخيال والفكر بما يسوغ له إيراد ذلك الكلام أو بعضه بنوع من التصرف والتغيير أو التضمين، فيحيل على ذلك أو يورد معناه في عبارة أخرى على جهة قلب أو نقل إلى مكان أحق به من المكان الذي هو فيه أو ليزيد فيه فائدة، أو يحسن العبارة خاصة... وأن يرتب عليها عبارة أحسن من العبارة الأولى (منهاج البلغاء ص 37، 194).

ولعل مرتكز التمثل بالتضمين وغيره إنما هو تجاوز للنقل إلى التحويل، ولعل امرأ القيس الذي أشار إلى تناص المقدمات الطللية بقوله:

عرّجا على الطلل المحيل لعلنا

نبكي الديار كما بكى ابن حذام

هو مرتكز هذه التحويلات فقد عارض حازم القرطاجني مطلعه:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل

بسقط اللّوى بين الدخول فحومل

وحوَّل دلالته فقال:

لعينيك قل إن زرت أفضل مرسل

(قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل)

ومما تجدر ملاحظته حول هذا النمط من التناص أن المعارض يقوم بعملية اختيار فنية؛ إذ إنه وكما تبين من خلال بنيته النصية ينتقي ويضمّن أشطراً من أبيات النص المرجعي، لإنجاز برنامجه الفني التحويلي وتحقيق مقاصده (التناص في الخطاب النقدي والبلاغي ص 95).

وفي مثل هذا استدعاء الصور المركبة فقد أخذ ابن جزي من قول امرئ القيس:

نظرت إليها والنجوم كأنها

مصابيح رهبان تشب لقفّال

الطرف الثاني من الصورة الأصل معيداً إنتاجه بطريقة فنية مختلفة، فقال:

أنار به ليل الشباب كأنه

(مصابيح رهبان تشب لقفّال)

وبذلك حول المشبه به وجعله متصلاً بالشيب بدلاً من الحبيبة (المصدر نفسه، 95).

وعلى هذا ذهب ابن طباطبا إلى القول: (فإن عكس المعاني على اختلاف وجوهها غير متعذر، على من أحسن عكسها واستعمالها في الأبواب التي يحتاج إليها).

التناص وتحليل النصوص

لم يكن مفهوم التناص بعيداً عن رؤية الناقد العربي وهو يستقرئ النصوص ويميز تدرج جودتها في احتواء المعنى ودلالته على القصد، ولم تكن المصطلحات التي اصطنعوها إلا نتيجة لاستقراء عميق ووعي متفحص لبنية النصوص وتواشج معانيها، ولا سيما في وضع الشعراء في طبقات الفحولة والموازنات الشعرية وتقويم مكانة شعر الشاعر بين شعراء طبقته وتفاوت إبداعه وفق مفهوم الناقد، وما وضع الأخذ بمسميات مختلفة إلا نتيجة الوعي بأثر تعالق النصوص بعضها بالبعض الآخر، ويدلل على ذلك قول الجرجاني عبد العزيز في وساطته:

(ولست تعد من جهابذة الكلام، ونقاد الشعر حتى تميّز بين أصنافه وأقسامه وتحيط علما برتبه ومنازله، فتفصل بين السرق والغصب وبين الإغارة والاختلاس، وتعرف الإلمام من الملاحظة وتفرق بين المشترك الذي لا يجوز ادعاء السرقة فيه... وبين المختص الذي حازه المبتدئ فملكه، وأحياه السابق فاقتطعه فصار المشارك له محتذيا تابعا). (12).

ويوافق هذا القول منظور عبد القاهر الذي قرر مصطلح الاحتذاء وحدّه بقوله: (واعلم أن الاحتذاء عند الشعراء وأهل العلم بالشعر وتقديره وتمييزه أن يبتدئ الشاعر في معنى وغرض أسلوباً، والأسلوب الضرب من النظم والطريقة فيه فيعمد شاعر آخر إلى ذلك الأسلوب... فيقال احتذى على مثاله...) (13).

واصطناع المثال بعلاقة إبداعية هو التناص عينه، وعليه فإن مسميات السرقة وما دار في فلكها كالتضمين والاقتباس وغيرها من المسميات التي بلورها النقاد والبلاغيون... ما هي إلا نتيجة لما اصطلح عليه المحدثون بـ (حفريات النص/ وتحليل النص/ وتفكيك النص) الدالة على تمكين النص من استلاب وعي المتلقي وانتظار تأويله بصيغة من صيغ الوصف. وتأكيداً لذلك فإن الجرجاني عبد العزيز والآمدي هما فرسا رهان التطبيق على المصطلح، وإن عبد القاهر الجرجاني منظّر المصطلح بوعيه اللغوي وحدسه العميق لبنية النظم وتواشج علاقات المعنى في تجاور المفردات لا المفردات ذاتها...

ودلل الجرجاني في وساطته على إقرار شرعية تداول المعاني في تصنيع الإبداع الشعري وتوليد الصورة الأقرب لدى تصور المتلقي وإثارة حساسيته بقوله: وقد يتفاضل متنازعو هذه المعاني بحسب مراتبهم من العلم بصنعة الشعر فتشترك الجماعة في المتداول، وينفرد احدهم بلفظة تستعذب أو ترتيب يستحسن، أو زيادة اهتدى إليها دون غيره فيريك المشترك المبتذل في صورة المبتدع المخترع كما قال لبيد:

وجلا السيول عن الطلول كأنها

زبر تجد متونها أقلامها

فأدى إليك المعنى الذي تداولته الشعراء، وعلى هذا المنوال قال امرؤ القيس:

لمن طلل أبصرته فشجاني

كخط زبور في عسيب يماني

قال وأمثال ذلك مما لا يحصى، ولا يخفى شهره.

ولم تزل العامة والخاصة تشبه الورد بالخدود، والخدود بالورد وتقول فيه الشعراء فتكثر، وهو من الباب الذي لا يمكن ادعاء السرقة فيه إلا بتناول زيادة تضم إليه أو معنى يشفع به كقول علي بن الجهم:

عشية حياني بورد كأنه

خدود أضيفت بعضهن إلى بعض

قال: فأضيفت بعضهن إلى بعض له، وإن أخذ فمنه يؤخذ وإليه يتنسب وكقول ابن المعتز:

بياض في جوانبه احمرار

كما احمرت من الخجل الخدود

والخَجِل إنما تحمر وجنتاه، فهذا التمييز مسلم له، وإن لم يكن يسبق إليه، ولو اتفق له أن يقول حمرة في جوانبها بياض، لكان قد طبق المفصل، وأصاب الغرض، ووافق شبه الخجل، ولكن أراد أن البياض والحمرة يجتمعان فجعل الاحمرار في جوانب البياض، فراغ عن موقع التشبيه.

ولعل الحيثيات التناصية لتداول المعاني وتواشجها في شعر المتنبي في الوساطة والاحتذاء عند عبد القاهر في دلائله وأسراره البلاغية، وتحولات البنية في أخذ البحتري من أبي تمام وتداول المعاني بينهما في موازنة الآمدي حرية بأن يقال عنها إنها العماد الذي ترتكز عليه نظرية التناص في فروضها وتطبيقاتها التي جعلت الشعر والشاعر والمتلقي في سجال متبادل ومتوازن، في إنحيازه للإبداع وأن (الدراسات الحديثة جاءت لترد الأمر إلى نصابه وتنظر إلى آثار القدماء في سياقها).

ودلالة الشواهد قد تغني عن التنظير ولكن تفريع الأصول والوقوف عند الجزئيات يقلل من قيمة التفصيل فيها ومن قيمتها العلمية والموضوعية، ومع ذلك يبقى الأمر ممكنا في حدود تفرد الحالة المعزولة عن غيرها كقول الآمدي في موازنته: إن قول البحتري:

قوم ترى أرماحهم يوم الوغى

مشغوفة بمواطن الكتمان

قد أخذه من قول عمرو بن معدي كرب الزبيدي:

الضاربين بكل أبيض مخذم

والطاعنين مجامع الأضغان

قال: إلا أن قول عمرو (والطاعنين مجامع الأضغان) في غاية الجودة والإصابة لأنهم إنما يطاعنون الأعداء من أجل إضغانهم، فإذا وقع الطعن موضع الضغن فذلك غاية المطلوب. وكأن البحتري أدرك هذا المعنى فتداوله في موضع آخر فقال:

فأتبعتها أخرى فأضللت نصلها

بحيث يكون اللب والرعب والحقد(14)

وإذا كانت الموضوعية تقتضي الوقوف على كل حكم بين نصين تداولهما ناقد، للوقوف على مكونات المصطلح بكل آليات التناص وتعالقها وصيرورتها إلى بنية متأسلبة بفنية وإبداع الشاعر، ولكن الإشارة هنا قد تفتح بابا للمراجعة والتتبع وتحفيز الآخر للاسهام في مثاقفة المصطلح لا بالمسمى النظري وحسب، وإنما بالتطبيق أيضاً.. ولعل مما يدخل في سياق الأمر وجوهره ويعد مهاداً علمياً واعياً لقيمة المصطلح، بعض الملفوظات التي وصفها الجرجاني عبد القاهر كالصوغ والحوك في تعليقه على قول الآمدي في قول البحتري:

فصاغ ما صاغ من تبر ومن ورق

وحاك ما حاك من وشي وديباج

صوغ الغيث: وحوك النبات ليس باستعارة بل هو حقيقة (فعل/ معنى) ولذلك لا يقال: هو صائغ ولا يقال كأنه صائغ وكذلك لا يقال (حائك) وكأنه حائك، على أن لفظة حائك في غاية الركاكة إذا أخرج على ما أخرجه عليه أبو تمام في قوله:

إذا الغيث غادى نسجه خلت أنه

خلت حقب حَرْس له وهو حائك

وهذا قبيح جدا والذي قاله البحتري (وحاك ما حاك) حسن مستعمل؛ فانظر ما بين الكلامين لتعلم ما بين الرجلين، فإن قال النسج (فعل/ معنى) وهو المضامّة بين أشياء وكذلك الصوغ فعل الصورة في الفضة ونحوها، وهو حقيقة من حيث دلّ على الصورة (15).

ومما يمكن إدخاله في آليات المصطلح ما سمي (تخييل النص بحسن التعليل) والتشبه الضمني الذي يكون فيه نص المشبه به حجة على المشبه، من مثال دارج أو حيثية لها قوة البرهان على صدق المشبه ومن ذلك قول المتنبي:

فإن تفق الأنام وأنت منهم

فإن المسك بعض دم الغزال

قال: فقد احتج لدعواه وأبان لما ادعاه أصلا في الوجود وتصحيح دعواه أن المسك خرج عن صفة الدم وحقيقته. ومن تخييل البنية بعلّة يصطنعها الشاعر قوله:

وما ريح الرياض لهــــــــا ولكن

كساها دفنهم في الترب طيبا

وإن كان الأصل فيه التشبه فإنه وضع المعنى وضعا وصوره في صورة ثم باعده وخلع عنه صورته خلعا، بجعله طيبَ أعراق الممدوحين علّة طيب الرياح.

المصـــادر:

1 - نظرية التناص/ ب.م دوبيازي/ تعريب المختار حسني/ مجلة فكر ونقد/ نظرية المصطلح النقدي/ د. عزت محمد جاد/ 301.

2 - التناص ذاكرة الأدب/ تيفين ساميول/ ترجمة د. نجيب غزاوي/ 9.

3 - نظرية التناص، مصطلح حديث لفكر قديم/ د. علي الغزالي/ 1

4 - التبيان في علم المعاني والبديع والبيان/ شرف الدين الطيبي/ تحقيق/ د. هادي عطية مطر الهلالي/ 451/ 390/ 389/ 381

5 - التناص ذاكرة الأدب/ 66/ 67

6 - التناص في الخطاب النقدي والبلاغي/ د. عبد القادر بقشي/ 24/ نقلا عن علم النص/ كرستيفا/ 79

7 - تحليل الخطاب الشعري (استراتيجية التناص) د. محمد مفتاح/ 127/ وينظر منهاج البلغاء/ 221

8 - كتاب الصناعتين/ أبو هلال العسكري/ 196

9 - عيار الشعر/ ابن طباطبا العلوي/ ت. محمد زغلول سلام/ 90

10 - التناص في الخطاب النقدي والبلاغي/ 44

11 - عيار الشعر/ 116/ 117 وينظر دلائل الإعجاز/ عبد القاهر الجرجاني/ ت. الراية/ 411/ 435

12 - الوساطة بين المتنبي وخصومه/ 161

13 - دلائل الإعجاز/ 411/ 412

14 - الموازنة بين الطائيين/ الآمدي

15 - أسرار البلاغة/ عبد القاهر الجرجاني/ ت. محمود شاكر/ 381

* من بحث ألقي في ملتقى الشارقة للشعر العربي، فبراير 2011

     
التقييم العام
12345
تقييمك
12345

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف