صلاح حيثاني طاردها من هولندا إلى نائيات الصحراء ليعيدها إلى بيتها الأول

لسان العامية الإماراتية الفصيح...

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 30 مايو 2013

شـهيرة أحمـد

تذهب الكلمات في كهرباء الوجود السرية لتكتسب المعنى، ثم تذهب في جغرافيات وحضارات وامتدادات لتتعالق معها أو تأخذ منها أو تعطيها مشكّلة ذلك المجرى العظيم الذي يسمى اللغة، ولأن اللغة كائن حي كان لا بد أن تولد من رحم ما، ثم تنمو وتدرج في سياقات التعبير وفق شروط الحياة التي يخضع لها كل كائن حي، ثم تتصل بشقيقاتها من اللغات فتغتني بها وتغنيها.. ثم تدخل اللغة في بيتها كما يدخل الخيط في إبرته، فالمعاجم بيوت اللغة، واللغة ترجمان الروح الجمعي بكل ثرائه وتلويناته.. وبين المعجم واللغة وشائج وقرابات تمتد على جسد المتون الكبرى التي وثق لسانها ذاكرة الناس والمجتمعات، وإن كان للعرب فيها مكانة مركزية.

إذا كان “طول اللسان” مذموماً في العادة فإنه في متابعة وتقصي اللهجة يصبح شيئاً جيداً ومطلوباً.. ذلك أن لسان العامية الطويل في امتداده الكرونولوجي يقف بفصاحة نادرة أحياناً، وببلاغة تستلفت النظر، على توافقات وتقاربات تؤصل لحضور اللهجة وتضعها في حيزها التاريخي ضمن سلسلة اللغات واللهجات البشرية الأخرى.. وبهذا يتحول اللسان إلى أداة كشف تسلط الضوء على عتمات اللهجة المتوارية فضلاً عن كونها أداة توثيق تقبض على الكلمات قبل أن تسقط من الذاكرة، ناهيك عن الأهمية الاعتبارية التي تتمتع بها العاميات على مستوى الهوية الثقافية ومكونات الذات الحضارية لأي شعب من الشعوب، وهي أهمية تتزايد وتتعاظم في عصر الانحسار الهوياتي والذوبان العولمي. وفي التجربة الإماراتية التي تتعايش فيها صنوف شتى من الثقافات واللغات واللهجات يكتسب العمل على تأصيل العامية الإماراتية أهمية ضافية.

الحفر في الصخر

بالحلم الذي سكن رأس مؤلف المعجم الشاعر والباحث المتخصص في فقه اللغة صلاح حيثاني منذ تسع سنوات بدأت حكاية هذا المشروع الثقافي المهم لإنجاز معجم لألفاظ العامية الإماراتية، قبل أن يصبح حقيقة مجسدة في كتاب يحمل عنوان “من معجم العامية الإماراتية دراسة وتأصيلاً”، ويمتد على 360 صفحة تغطي الحروف من الألف إلى الجيم، فيما يعمل المؤلف حالياً على الجزئين الثاني والثالث اللذين يتوقع صدورهما قبل نهاية العام الجاري 2013.

لا يختلف اثنان على الصعوبة والمشقة التي يتميز بها العمل المعجمي، وهو ما يجعل تأليف المعاجم عملاً قليلاً لا يتصدى له إلا عشاق حقيقيون، أدمنوا المعرفة وجرت في أرواحهم مجرى الدم في العروق... فالعمل المعجمي يشبه الحفر في الصخر، ويحتاج الى روح منقب صلب، تتجلى واضحة في عمل صلاح حيثاني هذا، الذي يتوفر على قدر كبير من الجهد البحثي سواء على المستوى النظري أو الجمع الميداني، وممارسته المعرفية التي يكشف فيها عن مطمورات اللهجة أو الباقيات منها على قيد الاستخدام اليومي، ويحررها من عاميتها لا ليدرجها في الفصحى فقط بل يؤصلها ويجري المقارنات والمقايسات بينها وبين الألفاظ المشابهة لها في اللغات السامية الأخرى. وهي الروح التي تبرزها أيضاً كتاباته عن المكان الإماراتي ورحلاته وغزواته إلى الذاكرة الشفاهية التي طاردها من هولندا إلى نائيات الصحراء الإماراتية وحواضرها.

يقول حيثاني في مقدمة الكتاب: “منذ سنوات طويلة والشغف لم يفارقني في تأصيل المفردات وإرجاعها إلى سياقاتها اللغوية الأصلية، ثم تطوّر ذلك على نحو مختلف أثناء ترددي طوال خمس عشرة سنة على قسم الدراسات الشرقية والآشوريات في جامعة ليدن العريقة بهولندا، وهو الأمر الذي خرجت منه بحصيلة كبيرة على مستوى التوفّر على أفضل المصادر في هذا الباب والتي لا يمكن تحصيلها في مكان آخر، مثلما أتيح لي في الجامعة بتقاليدها العريقة وريادتها في العناية بالاستعراب والاستشراق وباللغة العربية وآدابها ومعجميتها على جه الخصوص”. ... المزيد

     
التقييم العام
12345
تقييمك
لقد قمت بالتقيم من قبل

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف