• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

عكست أعماله أبعاداً متعددة من التأويلات والرموز

ما بعد رحيل المخرج أندرية فايدا.. «البرج الشاهق للسينما البولندية»

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 24 أكتوبر 2016

إبراهيم الملا (الشارقة)

مع رحيل المخرج السينمائي والمسرحي العتيد أندريه فايدا (90 عاماً) في التاسع من أكتوبر الجاري، طرُح السؤال عن ما بعد «فايدا» فنياً، إذ إن برحيله تكون بولندا قد فقدت مساحة أصيلة وهائلة من ذاكرتها الفنية المفعمة بالإرث المشهدي، والخيال المجسّد، والقضايا النابعة من روح الأمكنة، ومن ارتداداتها الاجتماعية والسياسة الصعبة على مدار عقود طويلة ساد خلالها الهاجس التوليتاري، والتوجس الأمني، والقمع الفكري ما بعد الحرب العالمية الثانية، وأثناء الحرب الباردة وحتى انهيار جدار برلين.

ارتبط اسم أندريه فايدا بالعديد من الأعمال السينمائية والمسرحية اللافتة على صعيد الاختيار المعالجة والتنفيذ، وقدم ما يزيد على 50 مسرحية و40 فيلماً في مساره الإبداعي، وكان ارتباطه مبكراً بعوالم الفن، حيث التحق بعد خمس سنوات من انتهاء الحرب العالمية الثانية بكلية الفنون الجميلة في مدينة (كراكوف)، وتعلّم الرسم متأثراً بأفكار الانطباعيين، واتجاهات ما بعد الانطباعية، ثم التحق بالمدرسة السينمائية العليا في مدينة (لودز)، استلهم خلالها أساليب السينما الطليعية في فرنسا، وفي العام 1955 قدم فيلمه الأول «جيل»، وقدم في السنة التالية فيلمه «كنال»، ومن أفلامه الشهيرة أيضاً: (أرض الميعاد) 1975، و(الرجل الحديد) 1981، و(كاتين) 2007، وهي المدينة التي ارتبطت بذاكرة مأساوية في حياته عندما أطلق جنود ستالين رصاصاتهم على جسد والده جاكوب فايدا الجندي بكتيبة المشاة في الجيش البولندي، لينضم إلى ضحايا مذبحة كاتين المروّعة في تاريخ بولندا المعاصر. انطلقت شهرة فايدا العالمية بعد عرض فيلمه المميز (رماد وألماس) في المهرجانات الدولية، وحظي آخر أفلامه (ما بعد الصورة) إنتاج 2016، بترشيح قوي للفوز بالأوسكار عن أفضل فيلم أجنبي.

أثناء خضوع بلاده للنفوذ السوفييتي في الستينيات، وصف فايدا نفسه بالفنان المحايد والبعيد عن بؤر الصراع، ولم يشأ الصدام المباشر مع السلطات البولندية المتواطئة مع الاستعمار الخفي، مستخدماً الرموز والشفرات الفنية المبثوثة في أفلامه كبديل للمقاومة العلنية، وهو التصنيف ذاته الذي اختاره في أثناء اندلاع الحرب الأهلية ضد الشرطة النازية السرية بين حركة الشيوعيين البولنديين، وأنصار الجيش الشعبي.

تضمن فيلم فايدا، الحائز جائزة أفضل فيلم أجنبي بمسابقات الأوسكار، وهو فيلم (أرض الميعاد) طبقات وأبعاداً متعددة من التأويلات والرموز، قدمها بأسلوب تصويري بارع ومعبر عن التحولات الاجتماعية والسياسية العنيفة في القرن التاسع عشر، بما فيها هيمنة الأيديولوجيا الشيوعية على بلده بولندا، ومطلقاً العنان لكاميرته للدخول في تفاصيل الجرائم الدموية المرتكبة في أثناء حكم نيكيتا خروشوف للاتحاد السوفييتي، وتحديداً في العام 1962، وهي ذات الجرائم التي راح ضحيتها الكثير من العمال في بولندا ضمن سياسة وحشية منظمة سرت كالعدوى القاتلة في البلدان الاشتراكية حينها.

في فيلمه (الرجل الرخام) الذي قدمه في العام 1977 يعرّي فايدا أساليب غسل الدماغ التي مارستها السلطات ووسائل الإعلام ضد الشعب البولندي، وانتقد الانطباعات الخادعة التي روجت لها البروباغندا الرسمية، وهذا الفضح والتفكيك للتلاعب الأيديولوجي بالشعوب استكمله فايدا في فيلم (الرجل الحديد)، وهذه المرة وسط الطبقة العاملة، كنموذج واضح لضحايا هذه الخديعة الكبرى. استوعب فايدا معنى المقاومة من خلال الفن، وأظهر في أفلامه العديد من الرموز الفلكلورية والشعبية المبهمة بالنسبة للمشاهد غير المطلع على الثقافة البولندية، ورغم هذه الضبابية المحيطة بثيماته السينمائية، إلا أن تأثيراً سحرياً وهاجساً تغييرياً كان يتشكل مثل صدى تنبئي لدى المتفرجين، خصوصاً فيما يتعلق بمستقبل الأوطان المحاصرة بالألم والدم والدموع، رأى فايدا في السينما خلاصاً افتراضياً، يمكن له أن يشغّل آلاته الخفية في اللاوعي، كي يمتد هذا العمل الإبداعي المقاوم إلى الواقع، وإلى الحاضر ببطء وبعنفوان أيضاً، وهو ما تحقق فعلاً في حياة فايدا مع سقوط آخر حجر في جدار برلين الفاصل مثل كابوس بين ضفتي الحلم والحرية!

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا