• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

الثقافة ملاذ وحصن «2 - 2»

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 24 أكتوبر 2016

في زمن العولمة، ونتيجة للتطور العلمي الهائل والثورة المعلوماتية وتطبيقات العلم، أي ما نطلق عليه التكنولوجيا، والهوة السحيقة بين الشمال والجنوب، أصبحت ثقافات كثير من الأمم والشعوب مهددة بالزوال والانقراض من جانب هذا الإنجاز العقلي الهائل «طبعاً الغربي»، فمفهوم العلم يتطابق كلياً مع الثقافة في دول المركز «الشمال»، في حين نجد أن دول الهامش «الجنوب» بعيدة عن العلم، وترزح تحت الفقر والتبعية حتى صار إرثها الإنساني مهدداً بالاندثار، ولم يتبق لإنسان العالم الثالث «دول الجنوب» غير ثقافتها، وهي المتراس الأخير الذي يحميها من الذوبان والتلاشي في ظل هجمة شرسة تسعى إلى تسليع وتبضيع الإنسان، وفرض نمط أحادي للثقافة، ثقافة المنتصر المنتشي بانتصاره، المروج لهذا الانتصار، بثقافة الصورة والنمط الاستهلاكي المغري والبذخي، والذي يعمل جاهداً لحصر إنسان الجنوب في هاتين الأداتين الخطرتين وتحويله إلى وحش كاسر، ولكي يبعده عن تراثه الثقافي المليء بالمصالح المشتركة للجنس البشري ومعاني الأخوة والتضامن والقيم الروحية والأخلاقية، والتي إذا تخلى عنها بفقد ملامحه وتكوينه، وتفقد الأوطان خصوصياتها وتصبح ملكاً مشاعاً للشركات متعددة الجنسيات والعابرة للقارات الحاملة للسلعة بيد والفكر الذي أنتجها باليد الأخرى، تقدمه مكسياً بورقة سلوفان، وبعدها الإنسان يلعق سماً زعافاً يطمس هويته، ويذيب ثقافته في ثقافة الأقوى، وهي تسعى لمسخ وتشويه الأمم والشعوب ذات الحضارات والجذور الضاربة في أعماق التاريخ، فدول الشمال تعمل على أن تفقد أوطاننا خصوصيتها لتفصلها عن مجرى تاريخها وتطورها الذاتي والإرادي.

وفي هذا الخضم يعد الدفاع عن الثقافة والتعددية دفاعاً عن النفس والهوية والملامح والتكوين، والهروب إلى ثقافة الأقوى يعني التفتيت والتجزئة والاستلاب وانقسام الإنسان على نفسه، فقد تم استنساخ النعجة «دوللي» معملياً، أما الإنسان فالعمل جارٍ لاستنساخه عبر ثقافة الصورة ونمط الاستهلاك من قبل ثالوث الموت.

الفاتح محمد عبدالرحيم - أبوظبي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا