• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

عطر المونديال

مونديال المواقع الاجتماعية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 13 يونيو 2014

بدر الدين الإدريسي

في زمن بعيد كانت لكأس العالم لغة واحدة، شعار واحد، نشيد واحد وجغرافيا منتشرة على ملايين الكيلومترات تجمع العالم بحسب امتداد الصحاري والبحار والفيافي، تشعر أن النبض واحد مهما اختلفت الأجناس وتشعر أن النفس يتصاعد من الصدور بنفس الموجة مهما اختلفت البيئات.

كانت كأس العالم توحد كل المعمورة برغم اختلاف الفكر واللون وطعم الحياة، فالولاء للمونديال هو ولاء للمتعة، للاحتفال وللفرح الذي يطوي في لحظة كل مآسي الحروب وكوارث الطبيعة.

بالقطع لم يتغير هذا الإحساس، فكأس العالم ما زالت تمثل للإنسانية لحظة وجودية رفيعة القدر ولحظة قيمية تنتصر لقيم الجمال والإبداع والخلق، لحظة يتوحد فيها إنسان هذا العالم في القارات الخمس على شغف أزلي، بالقطع لم يتغير ما كان وما يزال فينا حباً للمونديال، ولكن هذه الكأس العالمية التي كنا نلتف بالعشرات حول جهاز تلفاز بالأبيض والأسود لنشاهد مبارياتها بانصياع كامل لأحكام الفرجة التي يفرضها رب البيت، تغير كل شيء مرتبط فيها بالفرجة، فالأمر لم يعد مرتبطاً بالآلاف الذين ينفقون بسخاء ليكونوا في المدرجات داخل مسارح العرض، ولا بالملايين الذين يملؤون البيوت والمقاهي لاستنساخ ذات الاحتفالية التي تشهدها المدرجات، ولكن تعداه إلى ما أصبح يصطلح عليه اليوم بمونديال المواقع الاجتماعية، وهذا مظهر آخر يعزز ما كنا نصدره على الدوام من أحكام قيمة تقول: إن كرة القدم شأن لا يمكن أن ينازعه في الكونية شأن آخر وأن كأس العالم حدث يبهر بالتأكيد كل الإحصاءات التي باتت العديد من مؤسسات الرصد تطلع بها على عالم يتقاسم المعرفة والشغف ويحدد لنفسه قواعد للحوار وللرأي بمنأى عن كل المحددات المجتمعية.

لم يكن غريباً أن يتقاسم في بضعة أيام ما لا يقل عن 500 مليون شخص حول العالم صورة أو خبراً يتعلق بنجم من النجوم الذين نتفرق في مناصرتهم والتحمس لمنتخبات بعينها من أجلهم، فكما أن هناك نجوم العشب الأخضر هناك نجوم لمختلف مواقع التواصل الاجتماعي من «فيسبوك» إلى «تويتر» إلى كل ما يجتهد في اختراعه من هم خوارق في علم الاتصال والتكنولوجيا.

وكأس العالم التي كانت ذات وقت مادة إعلامية معروضة على الاستهلاك من خلال الصحف ثم الإذاعات ثم التلفزات والمواقع الإلكترونية، أصبحت اليوم حدثاً متحاوراً بشأنه ومتكهنا بشأن مبارياته ومتقاسماً كل ما ينتجه من أخبار بين الملايين الذين يناقشون ويحللون ويستقرئون، بشكل سيصل بنا مع نهاية مونديال البرازيل إلى أرقام خيالية، لنتأكد من أن كرة القدم سيكبر حجم تأثيرها بشكل يدعو إلى تجنيد فلاسفة علم الاجتماع لدراسة عمق التأثير وشدة المغناطيس.

وتبرز حداثة هذا المونديال قياساً بما سبقه، من خلال ما أصبح ممكناً القيام به من أجل تنوير الرأي العام المرتبط ارتباطاً فكرياً بمواقع التواصل الاجتماعي، فتقاسم صور المنتخبات والنجوم والفيديوهات التي تنتج عن كل هؤلاء كفيل بأن يحطم جدار الصمت والتعتيم والإشاعة وكفيل بأن يزيد من خلال كأس العالم في تمتين العرى والروابط بين بني الإنسان.

drissi44@yahoo.fr

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا