• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

على التماس

درويش ومونديال تحت الحصار

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 13 يونيو 2014

عزالدين ميهوبي

التقيت في العام 2005 الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش، وتبادلتُ معه حديثاً في شؤون الأدب والسياسة والفن.. والرياضة، وأذكر أنه قال لي «لا يمكن لي أن أنسى اللحظة التي تابعت فيها انتصار الجزائر على ألمانيا الغربية في مونديال 1982 بإسبانيا، ويومها كنت مع الفصائل الفلسطينية محاصرين ببيروت بفعل الاجتياح الإسرائيلي للبنان، ورغم الظروف الصعبة التي كنا عليها إلا أننا فرحنا وابتهجنا كثيراً بهذا الانتصار التاريخي للكرة العربية»، ثم راح يسألني عن مصير لاعبي المنتخب الجزائري في تلك الأيام، أمثال بلومي وماجر وعصاد، وأفدته ما عندي من معلومات، ثم عرج قليلا على واقع الرياضة في فلسطين، وقال لي «منتخبنا الحقيقي في التشيلي، حيث يوجد فريق بارز يحمل اسم فلسطين».

ولأن منتخب فلسطين هو أول منتخب عربي يقترب من بلوغ أول مونديال قبل أكثر من ثمانين عاماً، فإنه دفع فاتورة الحرب والسياسة وصراع الأشقاء، وتنازع الديكة الكبار على أرضه، يعود مرة أخرى إلى الواجهة بتأهل تاريخي إلى نهائيات كأس آسيا 2015 بأستراليا بعد أن أقصى الفلبين في دورة جزر المالديف أو محل الذيب كما كان يسمها العقيد القذافي.

ذكرتُ واقعة درويش هذه وأنا أقرأ خبراً يتعلق باستعداد السوريين لمتابعة كأس العالم تحت القصف من كل جهة، وأن العائلات في الداخل وفي ملاجئ الأردن ولبنان وتركيا لم يعد لها من حديث سوى كيف تشاهد مباريات المونديال، وتستمتع بوجود ميسي ورونالدو ونيمار وروني ونجوم منتخب الجزائر ممثل العرب الوحيد، ولا أعرف إن كان بلاتر فكّر في تمكين الملايين ممن شتتهم حرب سوريا من متابعة المباريات أم أنه غارق في حملته لولاية خامسة، معلناً حرباً على الإعلام الانجليزي الذي فتح جبهة على قطر مدعياً عليها بانتهاك حقوق البشر وتغيير مسار القرعة، والقدر.

وكان الأفغان في مونديال 2002 يختبئون في الملاجئ لمتابعة مباريات المونديال، ليس لأن الحرب تقلقهم فهم معتادون عليها، ولكنّ لأن فتاوى الطالبان تمنع مشاهدة التلفزة فكيف برونالدو المعجزة.

لم يبق للإنسان على وجه الكرة سوى الاستمتاع بالكرة بعد أن انتشرت الحروب والنزاعات، ولكن عالم الكرة نفسه صار موبوءاً وامتدت إليه يد السياسة لتؤلب هذا على ذاك، وتدفع به إلى مستنقع الفساد بعد أن تحول الجلد المنفوخ إلى تجارة مربحة، من خلال الصفقات الخيالية التي تقيمها الشركات العابرة للقارات مع «الفيفا» والأندية واللاعبين ووكلائهم وعائلاتهم، ودخلت المراهنات والتلاعب بالشباك والأقدام على الخط لم يصح فيها إلا الغلط..

واليوم يحتار الملايين من فقراء العالم في مشاهدة مباريات المحفل العالمي للكرة، ويحرمون لحظة التعبير عن سعادة يخفونها تحت عباءة الفقر والحرمان، حتى أن هناك من حول اللعبة التي يُبدع فيها الفقراء إلى استئثار لأصحاب المال والجاه والحظوة.

هذه الأيام يعلن فقراء البرازيل تمردهم على ما يحبّون، لأنهم يشمّون رائحة الفساد في الخبز الذي تقدمهم لهم السيدة ديلما، فيرفعون لافتات أمام إقامة المنتخبات المشاركة، ويقولون «نحن نحبّ الكرة، لكن الفساد لا يُحتمل»، فيرد اللاعبون «ونحن كذلك.. لكن دعونا نستريح».

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا