• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

ميزان العدالة

أعدموني ألف مرة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 13 يونيو 2014

عندما عثر رجال الشرطة على جثة «سالم» ملقاة في منطقة مهجورة، لم يكن صعباً تحديد شخصيته، فقد وجدوا في جيبه أوراقه الثبوتية وبطاقة تحقيق الشخصية، ومن خلالها توصلوا إلى محل إقامته وكل البيانات الخاصة به، كانت الجثة مشوهة وبها طعنات متفرقة وجروح في الوجه كادت أن تخفي معالمه، لا شك في أن الوفاة جنائية، وأن وراءها جريمة، وبداية قاموا بإجراء اتصال بزوجته كي تأتي لتتعرف إلى الجثة تأكيداً أنها لزوجها كإجراء روتيني ليس إلا، لكن كانت المفاجأة التي لم يصدقها رجال المباحث أن الزوجة تلقت الخبر ببرود شديد، ولم تبدِ أي دهشة أو استغراب ولم يظهر على صوتها أي تأثر أو رد فعل كأن الرجل ليس زوجها وأن مقتله أمر عادي لا يعنيها، بل وزادت على ذلك أنها اعتذرت عن عدم الحضور اليوم لأنها مسافرة لقضاء المصيف وربما تعود غداً لمشاهدة الجثة والتعرف إليها.

أسلوب غريب

بالطبع كان الموقف غريباً على رجال المباحث لم يواجهوا مثله من قبل، فحتى لو كانت الزوجة على خلاف مع زوجها وتكنّ له كراهية غير مسبوقة، فإنه قد قتل وهذا وحده يكفي لكي تنزعج أو على الأقل وحتى من باب الفضول يجب أن تبادر للحضور، التصرف غاية في الغرابة ولا تفسير له الآن بأي شكل، ومع ذلك لم يتخذوا أي قرار حيالها إلى أن يسمعوا أقوالها، لكن المؤكد من خلال كلامها أن هناك شيئاً غريباً يجب أن يتوصلوا إليه بسرعة، والمعلومات المبدئية أكدت أن الزوجة تكذب ولا تقول الحقيقة، فهي موجودة في منزلها وليست في المصيف، كما ادعت، وهنا ثار سؤال مهم لماذا تتصرف «هدى» بهذا الأسلوب الغريب؟ ولم يستطيعوا أن يخمنوا أو يتوقعوا الأسباب وراء تصرفها العجيب، فقد اعتادوا في مثل هذه الحالات أن يكون رد الفعل لسماع خبر مثل هذا أن تولول المرأة وتملأ الدنيا صراخاً وضجيجاً وتطالب بالقصاص من مرتكب الجريمة، وحتى إن كانت متورطة فيها فهي تحاول أن تخفي الجريمة وتسوق أي أسباب ولو واهية.

طرق بوليسية

لم يكن الأمر يحتمل التأخير ولا مسايرة الزوجة فيما قالت، فتوجهت قوة إلى منزلها على الفور ليأتوا بها عنوة إذا رفضت المجيء طواعية، وجدوها في بيتها بالفعل، تعيش حياتها بشكل طبيعي، وتعد الطعام لأطفالها الثلاثة، بل ولم تستغرب عندما طرق رجال البوليس الباب ولم تفاجأ بهم وكأنها كانت تنتظر قدومهم، فلم يتغير شيء في تصرفاتها، وكررت قولها بطلب مهلة، ولكن قصيرة إلى أن تنتهي من إعداد الطعام للصغار، وقد وافقوا كي يرصدوا تصرفات المرأة التي لم تبد أي انزعاج ولا أي مشاعر وهي تسمع خبر مقتل زوجها، ولا مانع من الناحية الإنسانية أيضاً أن تترك للأطفال طعاماً قبل أن تنشغل فيما هو آتٍ، فما زالت أمامها إجراءات كثيرة وطويلة، وتحقيقات وتغسيل وتكفين ودفن وعزاء إذا سارت الأمور عادية.

ارتدت ملابسها السوداء، وملامح وجهها كما هي لم تتغير، يبدو أنها تماطل كي لا تصل بسرعة، لا داعي للعجلة فقد مات وانتهى الأمر، هكذا ردت عليهم عندما حثوها على الإسراع، وهناك ألقت عليه نظرة بلا اهتمام وبشكل روتيني، ومن غير أن تتأثر أيضاً مع أن المشهد نفسه يثير الرعب في نفس أي شخص مهما كان قلبه قاسياً، فتساءلوا من تكون هذه المرأة التي تتصرف بهذه الطريقة الغريبة؟ فكثيراً ما ينهار الرجال ويسقطون مغشياً عليهم عندما يرون جثة أو شخصاً ميتاً، تبادل الضباط نظرات الاستغراب والدهشة التي جعلتهم يوقنون أن الزوجة لم تفاجأ بالجريمة ولم تهتز لها شعرة وهي تنظر إليه وتقول نعم إنه هو الذي كان زوجي ولم تعد تربطني الآن به أي علاقة فقد مات وفارق الدنيا. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا