• الأربعاء 05 ذي القعدة 1439هـ - 18 يوليو 2018م

النظرة العربية في الشعر

فِعْلُ الشياطين

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 12 يوليو 2018

حنا عبود

لو أراد القارئ الحصول على نظرية عربية في الأدب على غرار ما يقدمه نقاد هذه الأيام، فسيعود بالخيبة، فما كان العربي القديم يأبه بالتنظير، بل يعيش الحياة بالطريقة التي يستطيع تكييفها مع متطلباته. لكن التراث الذي تركه لنا هذا العربي القديم يحمل نظرية أدبية متكاملة، بل نزعم أنه لا توجد نظرية واضحة وكاملة مثل النظرة العربية. ونحن نستنتج هذا مما وصل إلينا منه. فكم قرأنا في كتب علم الفلك عن أجرام زعم الفلكيون أنها «يجب أن تكون موجودة» فما صدقهم أحد، إلى أن اخترعت التلسكوبات الضخمة فظهرت هذه الأجرام وهي تلتزم بالمدار الذي حدّده مكتشفها. وعندما درس مندلييف عناصر الطبيعة وحددها، ترك فراغاً مكان العناصر التي يجب أن تكون ولكنها لم تظهر له، فاكتشفت فيما بعد، ولها أوزانها الذرية التي حددها لها. وكما قفز الفلكيون والعلماء من الواقع إلى المتخيّل، وصدقت نظرتهم، يمكن أن ننطلق من واقع الأدب العربي القديم، ونحدد «الكواكب والنجوم والأجرام» المجهولة في الواقع والموجودة، بحسب حتمية الوظائف التي تظهر في الأدب الذي وصل إلينا.

المشترك الإنساني

لا بد أن نسلم بأن هناك مشتركاً إنسانياً في كل آداب العالم، وإلا كيف نشأت الأغراض الأدبية من غزل ومديح وهجاء ونقد ولوم.. الخ في كل الآداب، مع تفاوت واضح في الكم والكيف بين هذا الآدب وذاك! كل الشعوب أنتجت أدباً، فهو الصفة المشتركة بين شعوب العالم قاطبة. ولكن ما السبب؟ أليس لأننا نعيش في كوكب واحد، وإن كانت الظروف متغيّرة، هنا وهناك، قليلاً أو كثيراً؟ أليس لأن البشر منقسمون بين ذكر وأنثى؟ تصوّر أن هناك أكثر من جنسين في العالم... ترى هل نحصل على الأدب ذاته؟ هل يكون لنا غزل مثلما هو الآن؟ بل هل تكون سلطة البشر ذوي الأجناس الثلاثة شبيهة بسلطة البشر ذوي الجنسين؟ وهل نحصل على مثل الأدب القائم اليوم لو كان البشر من جنس جيني واحد؟ ونقول أكثر من ذلك... لو كانت الأرض تنتج الغابات وحدها، أو لو كانت الأرض من غير سماء، ينظر الإنسان فلا يرى فوقه شيئاً، لا غيوم ولا مطر ولا رعد ولا صواعق... ولا طوفان... هل ينتج أدباً مثل الذي أنتجه في هذا الواقع الأرضي، أو قل الواقع الكوني؟

فلنتحدث، قبل كل شيء، عن المشترك الإنساني. ألم يمر البشر في عهود واحدة، أو متشابهة؟ والثورات الثلاث: الزراعية والصناعية والمعلوماتية، ألم تشمل جميع الشعوب، وإن كان التفاوت هائلاً هنا وضئيلاً هناك؟ ألم تنقل الثورة الزراعية السلطة من الأم إلى الأب؟ فتسنم الرجل سدة السلطة وصار ما صار من إمبراطوريات ومتروبوليتات وتابعيات؟ ثم قبل الزراعة ألم تسد عبادة الأرض/‏‏ الأم؟ هل هناك شعب لم يعبد الطبيعة والمظاهر الكونية من شمس وقمر؟ ألم تقسم الشعوب إلى شمسية وقمرية؟ وظاهرة الأمازون (النساء المحاربات ضد الرجال) ألم تتجل في كل حوض المتوسط؛ لأنه كان الأسبق إلى الزراعة؟ ألم يكن الحمار (أو الثور) بطلاً حضارياً قبل أن يحل محله الحصان المحارب الذي أوجد حالة خاصة من القتال والأسر والإماء والجواري وظهور الملكية الإقطاعية الضخمة وتشكيل الإمبراطوريات؟ وعندما ظهرت الأسلحة النارية، ألم يتراجع الحصان وانهارت جيوش الخيول بكاملها؟ اليوم مَن يحارب بالحصان، أو يفلح بالثور، الذي كان بطلاً حضارياً إلى درجة العبادة تقريباً؟

الخاص في المشترك

نأتي إلى نظرة العرب إلى الشعر. إنها تتفق مع نظرات الكثير من الشعوب وبخاصة شعوب الحوض المتوسط، ولنتخذ اليونان نموذجاً. الشعر والنبوءة والقيافة والعرافة... وما يستتبع ذلك «إيحاء» «موهبة» «وحي من كائن خارجي» «إلهام»... أو أي مصطلح يدل أن الشعر ليس من صنع الإنسان. الشعر من صنع الإنسان شعر مصطنع، لا يبهر، ولا يهز، ولا يؤثر... كشعر معظم النساك وأرباب الوعظ الأخلاقي والمحافظين على القيم الثابتة... فإن كان شعرهم عظيماً، كان «وحياً» وإلا فهو مفتعل يتبع قواعد النظم، لا صورة الإيحاء. وهذا شيء متفق عليه، ففي كل شعر هناك من يتقن النظم. ولهذا نجد أرباب الشعر ورباته في كل آداب الشعوب تقريباً. فالإغريق، لكثرة أنواع شعرهم، جعلوا مجموعة من الربات على رأسها الإله أبوللو، تقوم بالوحي والإبداع، وتوزعت وظائفهن بين الكوميديا والتراجيديا والشعر الغنائي والجغرافيا والفلك... يقال إن عددهن سبع ويقال بل تسع. وهن أشبه بالملائكة، بل إن من يجعلهن تسعاً يضيف إليهن ربات النعمة، وهن، مع ربات الفنون لا يوحين إلا بالخير والحق والجمال، وهذا ما استغله أفلاطون في جمهوريته ليمنع أي شعر لا ينسجم مع موحيات ربات الفنون والنعمة... الخ. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا