• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

ثمة تراكم عميق لدواعي الحذر والقلق بين الطرفين، هو ما يشكل جذور هذا الوعي السلبي المتبادل في ثنايا دروس التاريخ وطبقات الذاكرة

روسيا والغرب.. خوف متبادل

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 29 مايو 2015

يتتبع الصحفي والمؤلف السويسري «غي ميتان» في كتابه الصادر منتصف هذا الشهر تحت عنوان: «روسيا- الغرب، حرب الألف عام: الروسوفوبيا من شارلمان إلى الأزمة الأوكرانية»، بعض ما يعتبره خلفيات تاريخية عميقة للتوجس الغربي من روسيا، متسائلاً منذ البداية: ما الذي جعل الولايات المتحدة وأوروبا تكرهان روسيا إلى هذه الدرجة؟ في حين أنها لم تعد تشكل تهديداً في الوقت الراهن، وصواريخها لم تعد مصوبة تجاه برلين، وقد تم، في سابقة تاريخية، تفكيك إمبراطوريتها السوفييتية دون إراقة قطرة دم واحدة. كما سمحت للدول التي كانت واقعة تحت سيطرتها في أوروبا الوسطى بأن تنال حريتها، وفي الوقت نفسه أفسحت المجال أيضاً لخمسة عشر بلداً جديداً بالاستقلال بعد أن كانت ضمن الاتحاد السوفييتي السابق. ومع هذا، وعلى رغم تراجع التهديد الروسي، عملياً، ما زال الخطاب المناهض لروسيا على أشده في وسائل الإعلام الغربية، وفي بعض الدوائر الأكاديمية، وبطبيعة الحال في صفوف القادة الغربيين، في المقام الأول.

هنا يقول الكاتب إن فهم حالة التوجس المزمن والخوف الذي أصبح شبه هستيري من روسيا، خاصة منذ نشوب الأزمة الأوكرانية الأخيرة، يقتضي استحضار تاريخ مديد مرير من الصراع بينها وبين خصومها الغربيين. وثمة تراكم عميق لدواعي الحذر والقلق بين الطرفين، هو ما يشكل جذور هذا الوعي السلبي المتبادل في ثنايا دروس التاريخ وطبقات الذاكرة المختلطة- المتجلطة الممتدة حتى أيام الإمبراطور شارلمان. وهذا الموروث الصعب من عدم الثقة، والتوجس والخوف المتبادل، هو ما يسعى الكاتب لمقاربته دون تقيد بأية محاذير أو تابوهات، أو اجترار أو تكرار لبعض الأحكام المسبقة الذائعة والصور النمطية الشائعة ضمن أدبيات ما يسميه الخوف من روسيا «الروسوفوبيا»، مع ما يتأسس عليه هذا الخوف في الغرب من دوافع وروافع دينية وجيوبوليتيكية وإيديولوجية. وهنا يسعى «ميتان» لتفكيك بعض مفردات الخطاب المناهض للروس ولبوتين تحديداً، الذي يجعل فرص مد جسور التفاهم والمصالحة بين الطرفين أصعب منالاً، وأبعد احتمالاً، في الوقت الراهن.

وبين دفتي الكتاب الواقع في 480 صفحة، يسرد الكاتب كثيراً من الأمثلة والوقائع في ما يعتبره ازدواجية معايير في الإعلام الغربي في التعامل مع الخصوم مثل روسيا، وقبلها الكتلة الشيوعية السابقة، مؤكداً في هذا السياق أن تجربته الصحفية المديدة هي التي جعلته يكتشف منذ اليوم الأول التباس خطوط التصنيفات في الغرب، وهشاشة الأسس التي يصنف على أساسها الآخر، فإن كان المختلف إيديولوجياً حليفاً في مواقفه للغرب فهو مقبول وتقتضي ازدواجية المعايير عدم انتقاده بشكل حاد كونه محسوباً على معسكر العالم الحر، وإنْ كان هذا المختلف مناهضاً للغرب فستغدق عليه صور التشويه والشيطنة والنقد الجارح دون تحفظ، ودون أي قيد أو شرط. ويضرب الكاتب هنا أمثلة من مؤتمرات تولي تغطيتها في جنيف منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي عندما كان صحفياً مبتدئاً، حيث كان يلقى التوبيخ أحياناً من رئاسة تحرير الصحيفة التي يغطي لها إنْ هو خرج عن خطوط التصنيف الغربي تلك لـ«الأخيار» و«الأشرار»، بحسب الخطاب السائد وفق ازدواجية المعايير السارية في الخطاب السياسي الغربي.

حسن ولد المختار

الكتاب: روسيا والغرب، حرب الألف عام

المؤلف: غي ميتان

الناشر: سيرت

تاريخ النشر: 2015

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا