• الاثنين 29 ربيع الأول 1439هـ - 18 ديسمبر 2017م

في «قد يحدث هذا الفراغ مرتين»

عبد الله العثمان يكتب بكل أدوات السرد حكاية مقتطَفَة من حياة عابرة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 28 مايو 2013

جهاد هديب (دبي) - يحمل كتاب «قد يحدث هذا الفراغ مرتين»، للكاتب السعودي عبد الله العثمان، في صفحته التي تلي الغلاف، توصيف «نصوص» للكتاب، أما في الصفحة التي تعرّف بالناشر والكاتب والعنوان فيوصف الكتاب على أنه من «الشعر العربي»، لتحضر بذلك مسألة التجنيس الأدبي التي تثير هذه الإشكالية النقدية باستمرار.

والحال أن قراءة الكتاب، الصادر مؤخراً عن دار أثر للنشر والتوزيع، في مدينة الدمام السعودية، والناشطة في نشر الجديد والمختلف في المشهد الأدبي السعودي في مختلف مجالات الأدب، هو أقرب إلى القصة القصيرة جداً والقصيرة أكثر من قربه إلى النص المفتوح أو الشعر، أي قصيدة النثر تحديداً، ليس على صعيد البنية النصية فحسب، بل على صعيد اللغة، وما تحققه من انزياحات ومفارقات، وما تؤسس له من طريقة خاصة في التلقي.

وبدءاً فإن «قد يحدث هذا الفراغ مرتين» الذي جاء في ست وخمسين صفحة فقط من القطع المتوسط هو نتاج «أزمة» فردية مع الواقع والوجود، حيث الكتابة كما لو أنها نوع من فضّ الاشتباك الجوّاني بين الكاتب والعالم. وهذا الإحساس بفردية الفرد الكاتب تنتقل تلقائياً إلى المتلقي الذي يعيش أجواء الكتابة ويستكشفها عبر عزلة موازية لعزلة الكاتب في نصه أو عزلة الشخصية الساردة في النص.

وكما في القصة القصيرة جداً الأولى التي يُفتتح بها الكتاب على النحو التالي: «سأقتل عصفوراً لهذا اليوم؛ لأبتكر طقساً يشبه لون القيامة، يشبه لون الأسود في عشاء دافنشي الأخير»، فإن عبدالله العثمان لا يذهب إلى صناعة المفارقة اللغوية كأساس لشعرية الموقف في نصوصه القصصية إلا باستثناءات نادرة، إنما هناك نوع من «شعرية» الحالة التي غالباً ما تكون إنسانية، وبدافع من الإحساس ذاته بالعزلة لدى الشخص: الكاتب – المتلقي معاً. لنتأمل في بعض هذه العناوين، فضلاً عن عنوان الكتاب ذاته: «الهرب بنصف خوذة»، و«غرفةُ وحيدٍ»، و«CV لقلق دام يومين»، و«حلم ضال»، و«عزلة تامة برفقة سلحفاة»، و«عطسة تبدد غبار الرأس»، وسواها، إنما بدرجة أقل. يشعر القارئ أنه بإزاء عتبات للنص سوف تقوده إلى قصيدة أكثر مما إلى قصة قصيرة جداً. لكن العناوين، عادة، قد تكون مقبولة لعمل روائي أو قصصي أو قصيدة أو ديوان، فهي منطقة مشتركة حين لا يعوّل على العناوين بوصفها عتبات تؤسس لقراءة النص، ضمن وجهة محددة يريدها الكاتب مواربة أن تؤثر في القارئ على هذا النحو أو ذاك.

لكن عبد الله العثمان هنا لا «يحكي» الحكاية التي تؤسس لقصيدة كما هي الحال في أي لغة شعرية عبر تمظهر سردي للمحكي بوصفه البنية التي تحمل «شعرية» القول، بل يستخدم سرد الحكاية المقتطَفَة من حياة عابرة بكل أدوات السرد إذ يبدأ من النقطة ألف إلى النقطة ياء، يحدث ذلك بالنسبة لقصة قصيرة جداً مثلما لقصة قصيرة أو حتى لنص هو الوحيد في شكله تقريبا الذي يقترب شكلاً من قصيدة النثر إنما مضموناً فهو أقرب إلى أن يكون قصة قصيرة استعارت تقنية الرسالة، أما «عطسة تبدد غبار الرأس» فهي الوحيدة تقريباً من أولها إلى آخرها التي لها صلة واضحة بقصيدة النثر إذ يشعر القارئ أنه بإزاء لغة إشارية تقوم على الإلماح والتورية مثلما تتقصد شعريتها نوعاً من الغموض الشفيف الذي لا يغلق المعنى، أمام مخيلة القراءة في استيعاب المشهد الشعري كاملاً، أما ما خلا ذلك فهو بحكم بنيته قصة قصيرة جداً وقصة قصيرة.

من «دقيقتين لحدوث شيء» نسرد هذا المقتطف: «ليس بالإمكان التفكير أكثر من دقيقتين عن إمكانية حدوث شيء حقيقي في حياتي، وتغيّر مسار النظرة وفرصة تحريك الأشياء من مكانها الأول، كأن أرتدي ملابس روك لامعة، كانف أفريقي سعيد وسعيد جداً، وأن أركب سيارة بيضاء طويلة وفاخرة، وبجانبي فتاتين جميلتين ترتديان ملابس خالعة، بالمناسبة؛ بإمكاني التفكير في كلمة: خالعة والنوم في مصيرها اليوم».

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا