• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

الأصالة في اللغة لا تعني العودة إلى الماضي

نَحْوَ تجديد لغة العلم التقاني.. بالعربية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 12 يونيو 2014

د. رياض زكي قاسم*

هل عرفنا لغة العلم؟

كان للعلوم في تراثنا وظيفتان: وظيفة التمكّن من معرفة الأشياء، ووظيفة التمكّن من فعل الأشياء. وقد عرف السابقون وسائل عدة لتطويع اللغة العربية، لكلتا الوظيفتين استناداً إلى ما في العربية من طاقة ذاتية في توليد المفردات والمصطلحات، فتحصّل لديهم جرّاء تراكم الخبرة العلمية، معجمات ثرية بدلالة الحدّ أو التعريف، وراكموا الجانب الوصفي في الحقول الدلالية، وكان لهم في دلالات فعل الأشياء وفرة المصطلحات في الحركة والوزن والمقياس والاحتساب وعلم الإدارة، وهي حقول في المعاني استوجبت ألفاظاً محددة، وتزيّدات اشتقاقية قامت، في جزء مهم منها، على تحريك الميزان الصرفي.

وبعبارة وجيزة يمكن القول إن الإبداع التقاني (التكنولوجي) وما صاحبه من لغة علمية باللغة العربية، امتد عبر قرون ازدهار الحضارة العربية - الإسلامية منذ بدايتها في القرن الثاني للهجرة وحتى القرن السادس عشر؛ وهو إبداع في ترجمة العلوم وتمثّلها وكتابتها باللغة “الوطنية”، لكن التوقف عن استخدام هذه اللغة كان عاملاً بارزاً من عوامل توقف العلم العربي؛ ونلمس ذلك في عصر الدولة العثمانية تحديداً، إذ صارت اللغة العثمانية لغة التأليف العلمي.

يضاف إلى هذا العامل الحيوي، ما كان للتطبيق العملي، من أثرٍ فاعل، فطوال عهود الحضارة العربية لم تحدث الاختراعات إلا تلبيةً لحاجة من حاجات المجتمع؛ فالمجال النابض بالحياة الذي تعمل فيه العلاقة الجدلية بين العلم والتكنولوجيا هو المجتمع، أو “البيئة الاجتماعية”، وهذه العلاقة لا يمكن أن تكون فاعلة، وذات مردود إيجابي ما لم يهيّئ لها المجتمع الأُطُر والسياسات والظروف والممارسات المُعينة على إتمام التفاعل بين العلم والتكنولوجيا، ثم بينهما كليهما وبين البيئة الاجتماعية، بحيث يتحول العلم إلى عامل تنمية اجتماعية، وتتحول التكنولوجيا إلى أداة تغيير اجتماعي، ويتحول كلاهما، في تماسك متكامل الطابع إلى رؤية وفعل من الحاضر إلى المستقبل، عبر مسارات التنمية الشاملة، اجتماعياً واقتصادياً وحضارياً. أما إذا قامت التكنولوجيا في مجتمع معاصر بدون أن تكون ذات صلة وثيقة بالعالم الفاعل في هذا المجتمع، فإنها تكون تكنولوجيا مظهرية، أو مستوردة، أو تابعة، أو أنها بغير جذور.

فالتطبيق العملي من حيث المضمون والشكل، وما يتطلبان من ألفاظ جديدة ميزة في غاية الأهمية، فهو، كما يقول العالِم رشدي راشد، تطبيق علم على علم آخر، وهو ما كان يؤدي إلى نشوء علوم جديدة، ويتفتق عن مجموعات من المفاهيم والمصطلحات وأشكال التعبير الجُمَلي، من ذلك مثلاً تطبيق الهندسة على الجبر، ممّا أدى إلى ظهور الفصل المعروف عن “العمل الهندسي لجذور المعادلات”، وتطبيق الجبر على الهندسة، وهذا ما أدّى إلى ظهور بدايات الهندسة التحليلية، وتطبيق الجبر على الحساب، وكان لذلك أثر في تجديد نظرية الأعداد، وظهور أولى الدراسات عن المتغيرات العددية الأولية، وتطبيق الهندسة على الفيزياء في مجال البصريات، وأعقب ذلك نشوء المناظر كعلم فيزيائي، وظهور المنهج التجريبي لأول مرة في التاريخ طريقاً إلى البرهان، وأخيراً استعمال الرياضيات في البحوث اللغوية، ممّا ساعد على تكوّن فصل جديد، أَلَا وهو حساب التباديل والتوافيق، وهو متجه فذّ فتح آفاقاً رحبة في نظام ترتيب المفردات في المعجم العربي، وأطلق مجالات التصنيف الصوتي، والتغاير في النبر والتنغيم، ممّا أسهم في تكوين علم الصوتيات، وعمَّق البحث في نظرية الجذور اللغوية، ولا سيما العلاقة التبادلية بين الجذر الثنائي والثلاثي، ثم بين الثلاثي والرباعي. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف