• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م
  01:30    التلفزيون المصري: 20 قتيلا و35 مصابا في انفجار كاتدرائية الأقباط الأرثوذكس بالقاهرة        01:57    وزير الدفاع البريطاني: السعودية لها الحق في الدفاع عن نفسها ضد الهجمات    

اعتدلوا.. أو اعتزلوا!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 11 يونيو 2014

محمد أبوكريشة

كاتب صحفي

كان الخليفة العباسي الثاني أبو جعفر المنصور أكثر الناس بلاغة وفصاحة. واشتهر هذا الخليفة بفن بلاغي رفيع المستوى، بل هو الذي ابتدعه، وأعني به فن التوقيعات، وهو تعليق مقتضب يذيل به الخليفة رسائله إلى عماله أو رسائلهم إليه، ولا أكاد أمل تكرار توقيع المنصور البليغ على إحدى الرسائل الموجهة إلى عامل له بالموصل أو الكوفة .. لا أذكر .. حيث قال له: لقد كثر شاكوك وقل شاكروك فإما اعتدلت وإما اعتزلت.

ولو أن الأمر بيدي لأرسلت نسخة من هذا التوقيع إلى كل عربي من المحيط إلى الخليج.. فقد كثر شاكونا وقل شاكرونا ولا نجد في أمتنا أبا جعفر جديداً يعدلنا أو يعزلنا.. ونحن لا نريد أن نعتدل أو نعتزل من تلقاء أنفسنا وأوتينا كثرة الجدل وقلّة العمل- وأعطينا التطرف كله لنوزعه على العالم بالتساوي فطمعنا فيه، ولم نعط أحداً منه شيئاً. العربي لا يصح أن يقال عنه إنه متطرِّف، بل الصواب أن التطرف عربي المولد. ولا يُريد أن يموت- والتطرف ليس في التدين فقط.. لكنه في كل شيء في كل تفاصيل الحياة العربية، حتى في الكفر والإلحاد، حتى في الحب والكراهية - نحن قوم إذا اعتدلنا متنا- والحوار بين العرب عبثي- لا جدوى منه ولا مردود له- فالعربيان إذا تحاورا يكونان كخطين متوازيين لا يلتقيان أبداً، ولا يتقاطعان أبداً في نقطة واحدة، وكل المتطرفين مع الشيء أو مع ضده عرب-.

تطرفنا في تقليد الغرب حتى لم نعد نحن ولم نصبح هم، تطرفنا في رفض الغرب حتى خرجنا من الزمن، نحن رسل الغلو والتطرف والسماجة والتنطع إلى العالم كله، والتطرف عندي هو مرادف الحماقة التي أعيت من يداويها، بل إنها في أمتنا قتلت من يحاول أن يداويها، وكل مظاهر الحماقة هي نفسها مظاهر التطرف والغلو. فالمتطرف مثل الأحمق يريد أن يحسن فيسيء- (ويريد أن يكحلها فيعميها) .. وعينه لا ترى عيوبه، بينما يرى كل الناس معيبين.. وإذا ضحك نهق وإذا بكى خار وشهق.. وصوته أعلى من فكرته.. ولسانه أسبق من عقله.. والإعلام المتطرف والأحمق هو الأكثر مبيعاً وانتشاراً في أمة العرب لأن الجمهور متطرف وأحمق- ويقول أحد الفقهاء أو العلماء: لقد ذكر الله الأحمق في غير آية من القرآن الكريم ومن ذلك قوله تعالى في سورة الصف: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ).. وتلك صفة المتطرفين والحمقى- حيث اللسان أسبق من الجنان والعقل.. والعرب أكثر الناس في العالم ارتكاباً للمقت الكبير لأنهم متطرفون وحمقى يقولون ما لا يفعلون، بينما العالم كله يفعل ما لا يقول . وتلك قمّة العقل- أن تفعل ولا تقول- أن تترك إنجازك يتحدث وفكرتك تعبر عنك، دون أن تعبر أنت عنها بلسانك وضجيجك. والحمقى يكذبون كما يتنفسون حتى إذا ادعوا التدين، وأسوأ كذاب هو من يكذب باسم الله- وأخطر فاسد هو من يفسد باسم الدين- وهؤلاء هم الذين قال عنهم رب العزّة في كتابه العزيز: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ...). وقال عنهم: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ)، العربي يعطيك سمكة لتتبنى رأيه الخاطئ والفاسد.، ولكنه لا يعلمك الصيد لأنه لا يعرف الصيد.. ولا أرى من سبيل لوقف طوفان الحماقة والتطرف في هذه الأمة المنكوبة التي تنتحر وتظن أنها تنتصر وتفسد وتتوهم أنها تصلح، وتهدم وتصر على أنها تبنى، إعلامها مسمم بالتطرف والحماقة وفنها مسف، ولا خير فيمن يوالي ولا خير فيمن يعارض، والحقيقة فرت من أرضنا العربية ولن تعود، وأعذب قولنا أكذبه، وتصدر المشهد كله أراذلنا بادي الرأي. وإذا أردت أن تعرف أمة فاعرف وتابع نخبتها ونجومها. ولحظة تأمل خاطفة للمشهد العربي تريك ما لا تحب، فنجوم الأمة ونخبتها الآن هؤلاء القرود الذين يتقافزون ولديهم قدرة (حرامية الغسيل) على تسلق أعلى المواقع والأكتاف- هم الذين يتبعهم الغاوون وفي كل واد يهيمون.. ويقولون ما لا يفعلون (وما فيش فيهم متقون).

والدول مثل الأفراد- هناك دول ثرثارة أعطاها الله كثرة الجدل وقلّة العمل- طالت فيها الألسنة وقصرت العقول والهمم- تسمع فيها جعجعة ولا ترى طحنا.. أبصارها وبصائرها حسيرة وألسنتها (عاوزة قطعها).

ولست من الذين يضربون المثل بالغرب، لأنّ المثل حاضر عندنا في أمة العرب، هُناك دول عربية ثرثارة أوردتها ألسنة أبنائها وأقلام وحناجر إعلامها، وصرفها الصحفي والفضائي المهالك وغرقت في بحار الدم وركام الدمار. دول تقول ولا تفعل، أدمنت آفة الخطابة ومنطق الطبلة والربابة، ثم المدفع والدبابة- وهناك دول عربية أخرى رزقها الله تعالى كثرة العمل وقلة الجدل، تفعل ولا تقول، بل تفعل ما لا تقول، تنجر وتوجز، إسهاب وإطناب في الفعل، وإيجاز واختصار في القول. ولا أريد أن أضرب الأمثال للناس (كل واحد عارف نفسه كويِّس). والمتطرفون لا بد أن يكونوا ثرثارين وببغائيين في الدين والدنيا، خطاب في مناسبة، وبلا مناسبة وقامات طويلة ومقامات قزمية، والثرثرة هي فكر الفقر، وفقر الفكر معاً، والمرء مخبوء تحت لسانه- والدول الثرثارة لم تعد مخبوءة- بل صارت عارية تماماً حتى من ورقة التوت، كل من فيها يتكلمون ولا أحد يستمع- بينما الدول العربية الأخرى التي أتاها الله ما قل من الكلام ودل، كل من فيها يستمعون ويتأملون ويعملون ولا أحد يتكلّم- فيا أيها الذين غضب الله عليهم وأتاهم كثرة الجدل وقلة العمل والتطرف وعمى البصائر- اعتدلوا أو اعتزلوا.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا