• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

الأكراد رحبوا بالمسيحيين ولكنهم لم يستطيعوا التعاطي مع تدفق أفواج اللاجئين، بعد أن استقبلوا 200 ألف لاجئ سوري وموجات سابقة من المسيحيين الفارين من بغداد والموصل

«مار إلياس».. والنزوح المسيحي في العراق

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 28 مايو 2015

الأخبار القادمة من الشرق الأوسط أضحت سيئة لدرجة أنني أبحثُ دائماً عن أي نقطة مضيئة. وهكذا، فقد شعرتُ بالذهول والارتياح معاً خلال زيارة قمت بها مؤخراً إلى كردستان العراق عندما صادفت قصة سارة في مكان غير متوقع: كنيسة في أربيل تأوي لاجئين مسيحيين من شمال العراق نجوا من هجوم تنظيم «داعش» بأعجوبة في أغسطس الماضي. أول مؤشر على شيء غير متوقع، كانت ضحكات الأطفال عندما دخلت ساحة كنيسة «مار إلياس». أما المفاجأة التالية، فكانت رؤية شبان وشابات يلعبون الكرة الطائرة معاً على ساحة مرصوفة تحت الأضواء ليلاً، مشهد لم يسبق لي أن رأيته في الشرق الأوسط الذي تسوده ثقافة مجتمعية محافظة تفصل بين الذكور والإناث.

هذا المشهد كان بعيداً كل البعد عن الأيام الحالكة التي اجتاح فيها تنظيم «داعش» بلدات مسيحية قديمة في محافظة نينوي واضطر خلالها 60 ألف مسيحي للفرار إلى كردستان العراق، حيث احتشدوا في شقق رخيصة أو كنائس أو لجأوا إلى مبانٍ غير مكتملة.

الأكراد رحبوا بالمسيحيين، ولكنهم لم يستطيعوا التعاطي مع تدفق أفواج اللاجئين الوافدين (بعد أن استقبلوا 200 ألف لاجئ سوري وموجات سابقة من المسيحيين الفارين من بغداد والموصل). وفي كنيسة «مار إلياس»، احتشدت 110 عائلات - أو 564 شخصاً إجمالاً - في أماكن واسعة في ضاحية «عنكاوا» المسيحية في أربيل. ومار إلياس هي كنيسة كلدانية، ولكن المسيحيين كانوا يضمون أيضاً كاثوليك آخرين وأرثوذوكس مسيحيين. وكانوا غاضبين ومرتبكين ولديهم مئات الأطفال المصدومين نفسياً.

ويروي الأب «دوجلاس بازي»، وهو رجل دين عراقي يفيض حماساً وحيوية، بشعر قصير ولحية رمادية مشذبة: «لقد اضطررنا لاستعمال حديقة الكنيسة ومركز تجاري غير مكتمل البناء». غير أنه عندما سعت وكالات الإغاثة إلى نقل اللاجئين إلى شقق مؤجرة أو مخيمات مؤقتة، حدث شيء غريب. فقد «رفض الناس هنا التزحزح عن المكان»، يقول الأب دوجلاس. فتحت توجيهات القس وبفضل مساهمات المتطوعين المسيحيين المحليين، تحوّل اللاجئون إلى مجتمع متلاحم؛ وبمساعدة من المنظمات الخيرية والمتطوعين المحليين، نقل الأب دوجرلاس اللاجئين إلى عربات مقطورة ذات ألوان فاتحة اصطفت على أطراف ساحة الكنيسة.

وشيئاً فشيئاً أخذ الأطفال يضحكون. ولأنه سبق لي أن رأيتُ مخيمات لاجئين أخرى مزرية تغص بالمسحيين (أو المسلمين) اليائسين وتخلو من الأمل، فأستطيع أن أؤكد لكم أن «مار إلياس ليست القاعدة»، ما قرر الأب دوجلاس فعله هو التركيز على الأطفال الصغار والمراهقين، إذ قال لي: «أن تركز على الكبار في زمن الفوضى هو مضيعة للوقت»، مضيفاً «إنني أهتم بالأطفال لأنهم هم الَخَلف وهم الأمل».

فعندما وصل الأطفال مع عائلاتهم، «كانوا تائهين»، هكذا يقول القس. «لقد كانوا عدائيين وكان الأولاد يستعملون لغة بذيئة». ولم يكن ثمة نظام. ولكنه كان مصمماً على إشغال الأطفال وملء وقتهم بما يفيدهم، رغم أن الحكومة لم تستطع توفير تعليم نظامي إلا خلال الأشهر القليلة الماضية. فوضع برامج نفذها متطوعون من عنكاوا ومن اللاجئين وشملت دروس الإنجليزية والفرنسية والموسيقى والرقص والتمثيل - أي كل الأشياء التي حظرها تنظيم «داعش». كما منع العائلات من إرسال أبنائها إلى العمل. وشدد على ضرورة أن يتعلم ويلعب الأولاد والبنات معا، وهو شيء آخر يقطع مع إيديولوجيا داعش - بل شيء غير مألوف حتى بين المسيحيين العراقيين أنفسهم. وأقام مكتبة في عربتين مقطورتين تضمان كتباً وحواسيب متبرعاً بها ورقعة شطرنج ضخمة، وجعل الأطفال مسؤولين عنها. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا