• الأربعاء 29 ربيع الآخر 1439هـ - 17 يناير 2018م

يفكك «سراب» الأصوليات ويقرع جرس الإنذار ويقدم البديل

جمال سند السويدي: التطرف رديف الانحطاط

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 28 مايو 2015

حاورته: رضاب نهار

* كيف انطلقت فكرة كتاب «السراب»؟ وما الهدف منه؟

** لا يمكن لأي كاتب أو باحث موضوعيٍّ أن ينعزل عن قضايا أمته، أو يتجاهل الظواهر التي ترتبط بالأمن والسلم الاجتماعي، ولهذا فإن كتاب «السراب» هو حصيلة جهد فكري ومتابعة بحثية امتدَّت سنوات، كانت البداية في أطروحتي للدكتوراه عام 1989، التي تضمَّنت تحليلاً للخطاب السياسي للجماعات الدينية، وخاصة جماعة «الإخوان المسلمين»، وعلاقتها بالعنف والتطرف اللذين شهدتهما بعض دول المنطقة في العقدين الماضيين، ثم جاءت أحداث ما يسمَّى «الربيع العربي»، التي استغلتها هذه الجماعات للوصول إلى الحكم في بعض الدول، لترسِّخ من قناعاتي حول هذه الجماعات، حينها تأكدت أن أمتنا العربية والإسلامية تواجه مأزقاً تاريخياً، تحاول بعض التيارات والجماعات اختزاله وتبريره وتفسيره في سياق ديني تاريخي، ما يجعلنا في غياب دائم عن واقعنا، ويدفعنا إلى الاستغراق في جدالين فكري وفقهي في وقت نبدو أحوج ما نكون إلى رؤىً مستنيرة وأفكار متجدِّدة، بدلاً من هدر الوقت في مناقشة قضايا حسَمها الشرع منذ قرون، والاستبسال دفاعاً عن خطاب ديني منغلق يعطّل طاقات الشباب، ويسدُّ منافذ الأمل، ويضع مصير أمتنا العربية والإسلامية في مهب ريح عاتية.

ومن هنا جاءت فكرة كتاب «السراب»، التي تولدت في مخيلتي خلال المراحل النهائية من عملي في كتابي السابق «آفاق العصر الأميركي: السيادة والنفوذ في النظام العالمي الجديد»، فقد توصلت إلى قناعة مفادها أن أحد المعوِّقات الحقيقية، التي تحول دون تفاعل كثير من دول العالمين العربي والإسلامي بجدِّية مع الواقع العالمي الراهن، يكمن أساساً في ارتهانها لأيديولوجية الجماعات الدينية السياسية، التي باتت أفكارها تمثل العقبة الرئيسية أمام التنمية والتطور والحداثة.

ولهذا فقد كان دافعي نحو تأليف هذا الكتاب هو الكشف عن حقيقة هذه الجماعات الدينية السياسية وخطورة أفكارها، لأنها تقف وراء ما تشهده مناطق عديدة في عالمنا العربي والإسلامي من أحداث واضطرابات تعصف بأمنها واستقرارها وحق شعوبها في الرفاه، لهذا حاولت أن يكون هذا الكتاب «جرس إنذار وصرخة تحذير ناصحة لأولئك الذين غُرِّر بهم، وخُدِعوا بزيف الشعارات الدينية البراقة»، ومحاولة في الوقت نفسه للدفاع عن ديننا الإسلامي الحنيف وما يمثله من قيم نبيلة تحث على الوسطية والتعايش والاعتدال، خاصة أن هذه الجماعات الظلاميَّة وصلت إلى درجة من التطرُّف لا يمكن السكوت عليها، ليس إلى تكفير من يخالفونهم الرأي فحسب، بل تعدَّى الأمر إلى مستوىً مذهل من التطرُّف والعنف والإرهاب بلغ حدَّ هدر الدم لكل المخالفين لها في الرأي، سواء من المسلمين أو غيرهم من أصحاب الديانات الأخرى.

بل إنني لا أبالغ هنا إذا قلت إن الاستسلام لهذه الجماعات الدينية السياسية وما تروِّجه من أفكار هدامة يمثل إساءة إلى الدين الإسلامي الحنيف، ولهذا فإن الكشف عن حقيقة هذه الجماعات ينبغي أن يكون المعركة الحقيقية للباحثين والمثقفين كافةً في هذه المرحلة العصيبة التي يشهدها العالمان العربي والإسلامي، خاصة أن التجربة القصيرة لبعض هذه الجماعات في الحكم خلال السنوات الماضية أكدت، بما لا يدع مجالاً للشكِّ، أنها تمثل الخطر الحقيقي على وحدة المجتمعات العربية وأمنها واستقرارها، بل تقدِّم صورة مشوَّهة عن ديننا الإسلامي الحنيف، وتخدم أعداءه المتربِّصين به، الذين يحاولون الربط بينه وبين انتشار العنف والتطرُّف والإرهاب، وهو بريء من كل ممارسات هذه الجماعات التكفيرية والظلامية، ولهذا حرصت على أن يتضمَّن الكتاب حالات تطبيقية لهذه الجماعات، كجماعة الإخوان المسلمين، والسلفية، والتيار السروري، والتنظيمات الجهادية، وفي الوقت نفسه تقديم بديل معاصر لدولة دينية أو إسلامية استطاعت فصل الدين عن سياساتها، بالرغم من أن الدين لا يزال حاضراً في المؤسسات والمجتمع.

تبديد الأوهام

* تتمحور فكرة كتاب «السراب» حول هذا الصراع الضبابيِّ الذي صنعته الجماعات الدينية السياسية في واقع مجتمعاتنا العربية، ما الاستراتيجية المثالية لتبديده أولاً، ولصناعة بديل يخرج بنا نحو مستقبل أفضل ثانياً؟

** لا شكَّ أن نقطة البداية في مواجهة هذا الفكر المتطرِّف والجماعات التي تقف وراءه هو مخاطبة الوعي الجمعي للشعوب العربية والإسلامية، بصفتها هي الهدف الرئيسي للخطاب المتطرِّف والمراوغ الذي تتبناه هذه الجماعات الدينية السياسية، وإذا ما نجحنا في هذا الجانب، بصفتنا مراكز بحثية ومؤسسات إعلامية، ومؤسسات للتنشئة في المدارس والجامعات ومنظمات المجتمع المدني، فإننا سنكون قادرين على تبديد الأوهام التي تحاول هذه الجماعات ترويجها.

ولهذا حرصت على أن يصل كتابي «السراب» إلى جميع الفئات في العالمين العربي والإسلامي، وإلى الشعوب من الثقافات الأخرى، وذلك من خلال النسخة الإنجليزية للكتاب التي صدرت حديثاً، والنسخ الأخرى للكتاب والتي ستصدر قريباً باللغات الفرنسية والألمانية والإسبانية والأردية والصينية والروسية، من أجل الاستفادة ممَّا تضمنته من معلومات، واستيعابها، وتفهُّم ما فيها، لأن أحد الأوهام التي تروِّجها هذه الجماعات هي الادِّعاء بأن لها رصيداً شعبياً كبيراً يقف وراءها، وتحاول تصوير ذلك للرأي العام الخارجي، بل إن هذا في تقديري كان أحد أسباب الموقف الملتبِس الذي تتخذه بعض القوى الكبرى إزاء هذه الجماعات منذ انطلاق ما تُسمَّى أحداث «الربيع العربي»، إذ تدرك هذه القوى، وللأسف بشكل خطأ، أن هذه الجماعات تمثل بديلاً للأنظمة الحالية، لهذا أتصور أن أيَّ استراتيجية فاعلة لمواجهة الجماعات الدينية السياسية ينبغي أن تتحرك على مسارات متوازية، أولها، دحض الأفكار الهدامة والخطأ، التي تحاول هذه الجماعات ترويجها بين فئات المجتمع بالحجة والبرهان والإقناع، وهذا الجانب يقع في الأساس على رجال الدين والوعاظ المعتدلين الذين يحظون بشعبية واسعة في العالمين العربي والإسلامي، لأن أحد الأسباب التي تقف وراء شيوع هذا الفكر الظلامي هو إتاحة الفرصة لأنصاف العلماء للظهور والترويج لفكر هذه الجماعات. وثانيها، التحرك نحو تعزيز الوعي المجتمعي بالخطر الذي تمثله جماعات الإسلام السياسي وحركاته، ليس على أمن الشعوب العربية والإسلامية واستقرارها فقط، وإنما، وكما سبق أن قلت، على صورة الإسلام كدين حضاريٍّ يؤمن بالوسطية والاعتدال والتعايش بين الثقافات أيضاً. وثالثها، التحرك نحو نشر ثقافة الوسطية والتعايش، وخاصة في هذه المرحلة من تاريخ أمتينا العربية والإسلامية، التي أصبح فيها الدين مادة جداليَّة مثيرة للاختلافات بين فئات المجتمع، نتيجة الفكر الضال والهدَّام الذي تقف وراءه هذه الجماعات، ويروِّج للإقصاء، ويسعى إلى احتكار الحديث باسم الدين. إننا في حاجة ماسَّة إلى إعادة الاعتبار إلى قيم التعايش الثقافي من جديد، والعمل من أجل أن تكون منظومة القيم الحضارية لديننا الإسلامي الحنيف عاملاً للتوافق بين أفراد المجتمع، وليس للصدام والقطيعة، مثلما يحدث الآن في العديد من دول المنطقة، التي تشهد صراعات مصدرها ثقافي وديني ومذهبي أساساً.

مواجهة فكرية

* رأى «السراب» أن هذه الحرب التي نشهدها هي فكريَّة في الدرجة الأولى، ترى ما مصير الفكر العربي المعتدل في خِضمِّها؟

** أتصور أن أيَّ مواجهة فاعلة للفكر المتطرِّف، الذي تقف وراءه حركات الإسلام السياسي، ينبغي أن تركز على الجانب الفكري، مع عدم إغفال أهمية الجوانب الأخرى، الاجتماعية والاقتصادية والأمنية والعسكرية، لأن التجربة أثبتت أن هذه الجماعات تزدهر وتنمو في فترات التراجع الفكري والثقافي، التي تكون مناسبة لها لنشر أفكارها، والترويج لأوهامها، والخلط بين «الديني» و«السياسي».

لهذا، فإننا في حاجة إلى فكر عربي معتدل ينطلق من قيم الوسطية والتعايش والاعتدال، وهي القيم التي يحثنا عليها ديننا الإسلامي الحنيف، فالتمسك بالوسطيَّة الإسلاميَّة يُعَدُّ المخرج الوحيد لمواجهة الفكر الظلامي الهدام، مع إطلاق طاقات العمل والإبداع والتفكير، وتحصين المجتمعات ضد الغلو والتطرف، فمعبر أمتنا العربية الإسلامية إلى الخلاص من واقعها المتردِّي هو فهم ديننا الإسلامي الحنيف فهماً صحيحاً، فالإسلام أرسى، منذ فجره، مبادئ مجتمعية غاية في الأهمية، أبرزها التعددية وحرية الاعتقاد، مكرِّساً وسطيَّة لا ترى مثلها أبداً.

وأود هنا الإشارة إلى أن دولة الإمارات العربية المتحدة كانت من أولى الدول التي دعت إلى التصدِّي الفكري للإرهاب، ولم تتوقف عند هذا الحد، وإنما اتخذت مبادرات حقيقية على طريق تعزيز هذا الفكر المعتدل والوسطي، أهمها إعلانها في يوليو 2014 بأبوظبي إنشاء «مجلس حكماء المسلمين» لتعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، وفضلاً عن ذلك، فإن دولة الإمارات العربية المتحدة تقدِّم نموذجاً ثقافياً ملهِماً في إطار الحرب الفكرية على الإرهاب، قوامه قيم الاعتدال والوسطية والتسامح والانفتاح والتعايش بين الأعراق والأديان والحضارات، وكلنا تابع مؤخراً فعاليات الدورة الثانية للمنتدى العالمي «تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة 2015» التي استضافتها العاصمة أبوظبي في شهر إبريل الماضي، وسلَّطت الضوء على الكثير من القضايا والإشكاليات المهمة في هذا الشأن، وقدمت مجموعة من المقترحات والتصورات المهمَّة، التي يمكن أن تُبنَى عليها استراتيجية ثقافية وفكرية فاعلة لمواجهة هذه الحركات والجماعات الظلامية.

مصالح

* يسأل الكتاب عن الموقف العالمي إزاء ما نعيشه من كوارث تصبُّ في جميع الصُّعُد والمجالات، فهل من إمكانية للإجابة عن ذلك بصورة واضحة ودقيقة اليوم؟

** بداية أود التأكيد هنا على نقطة مهمة، هي أنني لست من أنصار نظرية المؤامرة، التي تعزو ما يواجهه العالمان العربي والإسلامي إلى تدخلات خارجية من جانب قوى إقليمية ودولية، وإن كنت لا أنكر أن هناك بالفعل مصالح لهذه القوى تسعى إلى الحفاظ عليها عبر أدوات مختلفة، لكن هذا ينبغي ألا يكون مبرِّراً أو ستاراً لتجاهل طبيعة الأزمات والمشكلات الهيكلية التي تواجهها العديد من دولنا العربية والإسلامية، وتُعَدُّ أحد أسباب ما تشهده من قلاقل واضطرابات، لهذا فإن الاعتراف بوجود هذه المشكلات، والمبادرة إلى حلها، يمثلان بداية مهمة ليس على طريق التعامل الجادِّ مع التحديات التي تواجه بعض دول المنطقة فقط، وإنما لمواكبة التغيرات العالمية في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والتعليمية والعلمية أيضاً، حتى لا تتسع الفجوة بيننا وبين العالم المتقدِّم.

لقد قدمت في كتابي السابق «آفاق العصر الأميركي: السيادة والنفوذ في النظام العالمي الجديد» رؤية كلية حول معطيات البيئتين الإقليمية والدولية وتطوراتهما، وطبيعة هيكل القوى المسيطرة في النظام العالمي الجديد، استناداً إلى مؤشرات إحصائية دقيقة، وحلَّلت دلالاتها وما تعنيه في تطورات الصراع على المستوى الدولي، وخلصت إلى أن العالم يواجه، خلال الفترة الراهنة، مجموعة متداخلة من التحديات والمخاطر والتهديدات التي تؤثر في صياغة مستقبله، ولا يمكن لعالمنا العربي أن يكون بمنأى عن تداعياتها. بل لا أبالغ هنا عندما أقول إن عالمنا العربي أصبح في قلب التفاعلات الدولية، وخاصة منذ أحداث ما يُسمَّى «الربيع العربي» التي أطلقت موجة جديدة من التهديدات العابرة للحدود، متمثلة في التنظيمات المتطرِّفة، مثل «داعش»، و«جبهة النصرة»، وأخواتهما من الجماعات التكفيرية والظلامية. ولا شك أن تمدُّد خطر هذه التنظيمات ليطول دولاً خارج المنطقة كان وراء تشكيل التحالف الدولي خلال عام 2014 لمواجهة «داعش» في كلٍّ من العراق وسوريا، الذي تشارك فيه دولة الإمارات العربية المتحدة والعديد من دول المنطقة، لمواجهة هذه التنظيمات الإرهابية.

دور الثقافة

* كيف يمكن للثقافة أن تحدَّ من انتشار الفكر الظلامي الذي ساد مؤخراً بما ينشره من أفكار تعصُّبية متطرفة؟

** المواجهة الثقافية للفكر الظلامي لا تقل أهمية عن المواجهة الأمنية والعسكرية، لأن النجاح فيها يعني اجتثاث جذور هذا الفكر، وتجريد الجماعات التي تتبنَّى النهج الإرهابي من المبررات التي تعتمد عليها، ومن ثم حرمانها القدرة على التلاعب بعقول الشباب، أو استغلال الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة في بعض المجتمعات لنشر أفكارها الهدامة والخبيثة. لقد أثبتت خبرة السنوات الماضية أن خطر هذه الحركات لا يتوقف عند إمكاناتها المادية وقدرتها على الحركة وممارسة التدمير والتخريب فقط، وإنما يمتد إلى الأدوات التي تستخدمها لتجنيد الأتباع أيضاً، وخاصة في صفوف النشء والشباب، وهي أدوات تعتمد بشكل أساسيٍّ على الدين عبر تبنِّي تفسيرات مشوَّهة له، ورفع شعارات دينية مخادعة لا علاقة لها بما تقرره الأديان من دعوة إلى التسامح والسلام والتعايش بين البشر في كل مكان وزمان.

ولهذا فإنني على قناعة راسخة بأننا الآن في حاجة، أكثر من أيِّ وقت مضى، إلى ثورة فكرية وثقافية حقيقية تخاطب النشء والشباب في العالمين العربي والإسلامي، من أجل تقديم بارقة أمل لهم، وتجعلهم مشاركين في بناء أوطانهم، وتفويت الفرصة على مثل هذه الجماعات التي تراهن على هؤلاء الشباب، واستقطابهم في حربها العبثية التي لا طائل من ورائها سوى تدمير المجتمعات، وتهديد وحدتها واستقرارها. ولا شك في أن هذه الثورة الثقافية باتت ضرورة لتعزيز ثقافة الاعتدال والوسطية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وتعزيز الجهود الرامية إلى مواجهة الأيديولوجيات المتطرفة التي تخالف القيم الإنسانية ومبادئ الإسلام السمحة، والتصدِّي لمخاطر الطائفية المذهبية والعنف الطائفي التي تسود العديد من المجتمعات العربية والإسلامية.

ولكي تكون هذه المواجهة الثقافية فاعلة في الحدِّ من الفكر الظلامي، فإن هناك الكثير من الجهات التي عليها مسؤوليات أساسية، ومنها المؤسسات الدينية في العالمين العربي والإسلامي، وخاصة تلك المؤثرة في محيطيها الإقليمي والعالمي، كالأزهر الشريف، ومؤسسات التعليم بمراحلها المختلفة، وغيرها من المؤسسات التي تؤدي دوراً مهماً في عملية التنشئة الاجتماعية وما تتضمَّنه من غرس القيم والتوجُّهات، وفضلاً عن ذلك، فإن قادة الفكر والرأي، ووسائل الإعلام، ومؤسسات المجتمع المدني، ومراكز البحوث والدراسات، لهم دورهم المؤثر الذي يمكنهم أن يؤدُّوه في هذا السياق. فما من شك في أن أي مواجهة أو حرب فكرية ضد قوى الإرهاب تحتاج إلى تكاتف هذه الجهات مجتمعة وتعاونها، لأنه من دون التصدي الجاد والفاعل للفكر المنحرف، الذي تتبناه الجماعات الدينية-السياسية وتخدع به أتباعها، سوف يظل العالم يعاني هذا الشر عبر موجات إرهابية تتراجع حيناً، وتتصاعد حيناً آخر.

عاصفة الفكر

* ما دور الثقافة وسط ما نعيشه من أحداث دامية ومشتعلة؟ وأين تكمن مسؤولية مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجيَّة؟

** إذا كانت مواجهة التطرف والإرهاب عملية مركَّبة ومتعددة الجوانب، الأمنية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، فإن الثقافة تمثل أحد المداخل المهمة في هذه الحرب، إذ يمكن أن تؤدي دوراً مهماً وضرورياً في التعامل مع تداعيات هذه الأحداث، سواء في تحصين المجتمع، أو في ترسيخ قيم الوسطية والاعتدال والبعد عن التطرُّف في نفوس النشء والشباب.

وأود أن أشير هنا إلى أننا في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية نولي اهتماماً استثنائياً لهذه القضية المهمَّة، حيث أطلق المركز مؤخراً، مبادرة لتشكيل تحالف من المراكز البحثية العربية تحت اسم تحالف «عاصفة الفكر» يتكوَّن من المراكز البحثية العربية، وبخاصة من الدول المشاركة في تحالف «عاصفة الحزم». وآمل أن تدشن هذه المبادرة، التي ستبدأ فعالياتها في شهر سبتمبر المقبل، لمرحلة جديدة من التعاون بين المراكز البحثية العربية، وتسليط الضوء على القضايا التي ترتبط بأمن واستقرار الدول العربية والإسلامية، وفي مقدمتها قضية التطرف والإرهاب.

كما يركز المركز في شهر رمضان المبارك من كل عام، ضمن فعاليات «الحوار الاستراتيجي الرمضاني»، على تناول قضية الوسطية الإسلامية، وموقف تيارات الإسلام السياسي منها، ونستضيف نخبة من المفكرين الإماراتيين والعرب لتسليط الضوء عليها من مختلف جوانبها. كما تتناول الأنشطة المختلفة للمركز، من إصدارات وندوات وورش عمل، هذه القضية، ويمكن للجميع حضورها، ويتم خلالها تقديم الأفكار، وعرضها، ومناقشتها، ما يسهم في نشر الوعي الفكري، ورفعه لدى الحضور بشأن مختلف القضايا التي تتم مناقشتها. ولعل أحدث هذه الفعاليات هو تنظيم المركز ندوة تنطلق من الفكرة الجوهرية لكتاب «السراب»، بعنوان «السراب: الفكر المستنير في مواجهة الإرهاب».

حال الثقافة

* كيف ترى مستقبل الثقافة، محلياً وعربياً ودولياً، في ظل الظروف الراهنة؟

** في خضمّ التحول الكبير في مسيرة التنمية الشاملة التي تشهدها دولة الإمارات العربية المتحدة، أصبح الجانب الثقافي يأخذ حيّزاً متنامياً، وعلى أعلى المستويات، من جانب القيادة الرشيدة. ولعل من يتابع المشهد الثقافي الإماراتي خلال الأعوام الماضية يتأكد له أن دولة الإمارات العربية المتحدة أصبحت وجهة ثقافية رائدة في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط، ومقصداً لرواد الثقافة وصنَّاعها ومحبِّيها من دول العالم كافة، نظراً إلى انفتاحها الثقافي الواسع على الثقافات والفنون العالميَّة بمختلف أنواعها وأشكالها، وإيمانها بأهمية الثقافة ودورها الكبير في التنمية بمفهومها الشامل، وما تمثله من جسر للتفاهم والتعارف بين الأمم والشعوب.

وأؤكد هنا أن النهضة الثقافيَّة التي تعيشها دولة الإمارات العربية المتحدة تعبِّر عن تجربة فريدة، لأنها تنطلق من إحياء موروثها الثقافي المحلي الأصيل والمتجذِّر، الذي تعتز به، وتنهل من قيمه، وتنفتح في الوقت نفسه على الثقافة العالمية بتجلياتها كافة، وهذا يجعلها عنواناً للانفتاح الثقافي والحضاري، ومركزاً ثقافياً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، سواء للمشروعات والفعاليات الثقافية التي تتبناها، أو للمتاحف العالمية التي تستضيفها.

أما على المستوى العربي، فإن مفردات المشهد الثقافي العربي العام تدعو إلى القلق، حيث تشير التقديرات إلى أن معدل ما يقرأه الفرد في طول العالم العربي وعرضه، سنوياً، هو ربع صفحة فقط، وأن معدل ما يقرأه الأميركي 11 كتاباً، والبريطاني ثمانية كتب. وفيما يتعلق بالإنتاج العلمي، ووفقاً لدراسات التنمية الصادرة عن «مؤسسة الفكر العربي»، فإن كتاباً واحداً يصدر لكل 12 ألف مواطن عربي، بينما يصدر كتاب لكل 500 مواطن إنجليزي، وكتاب لكل 900 مواطن ألماني، أي أن معدل القراءة في العالم العربي لا يتجاوز 4% من معدل القراءة في إنجلترا على سبيل المثال. ولعل التحدِّي الأخطر في المشهد الثقافي العربي يتمثل في ارتفاع نسبة الأمية، فحسب تقارير «المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم» (الألكسو) فإن عدد الأميين في المنطقة العربية بلغ عام 2013 نحو 97.2 مليون شخص من أصل نحو 340 مليون نسمة، أي 27.9% من مجموع السكان، وهذا كلّه إنما يعكس الواقع الصعب الذي تعيشه الثقافة العربية في وقتنا الراهن.

ولهذا فإننا، الآن، في حاجة إلى حراك ثقافي جديد يقدِّم حلولاً فاعلة لهذه المشكلات من ناحية، ومن جهة أخرى يعيد إحياء الثقافة العربية، وتحريرها من الأفكار الظلامية والهدامة التي ارتبطت بها خلال السنوات الماضية، وجعلها أكثر وسطية واعتدالاً، فهذا هو المخرج لكي تتجاوز الأمتان العربية والإسلامية هذا الظرف التاريخي الصعب، ولكي نحافظ على أجيالنا من تغلغل فكر التشدُّد والتطرُّف إلى الأفئدة والعقول.

أما عن واقع الثقافة على الصعيد الدولي، فالأمر يبدو مختلفاً، إذ تعي الدول في مختلف أركان العالم، وخصوصاً في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، الدور الذي تؤديه الثقافة، سواء كان داخلياً أو خارجياً، فعلى المستوى الداخلي تدرك هذه الدول أن الثقافة تمثل منهجاً في التعامل مع الاختلافات الداخلية العرقية أو الدينية، وعلى المستوى الخارجي فإنها تعي أن الثقافة هي إحدى أدوات «القوة الناعمة» التي تستطيع من خلالها تحقيق مصالحها في بعض الأحيان، ومن هنا سيظل اهتمام هذه الدول بالثقافة مستمراً، بل ستعمل باستمرار على دعم ثقافتها، وتعزيزها.

خواص وسمات

* ما الخواص الفكرية للتطرُّف الحاصل في المنطقة والعالم؟

** بداية تنبغي الإشارة إلى أن ظاهرة التطرف تُعَدُّ من الظواهر القديمة التي تطوَّرت بمرور الوقت والزمن، ولها أشكال عديدة من بينها التطرف الفكري، والتطرف الديني، وغيرهما، وبرغم قِدَم هذه الظاهرة، فإنها برزت بشدَّة في السنوات الأخيرة، خاصة بعد اندلاع ما سُمِّيت أحداث «الربيع العربي»، إذ استغلت الجماعات الدينية السياسية هذه الأحداث للوصول إلى السلطة، وفرض مفاهيمها، من خلال محاولة احتكار الحديث باسم الدين، وهو ما أسهم في تنامي نزعات التطرف الديني.

وقد لا أكون مبالغاً إذا قلت إن أخطر أنواع التطرف هو التطرف الديني، الذي يرى أصحابه أنهم فقط الذين يتبعون الحق، ومَنْ دونَهم يتبعون الباطل، وأنهم فقط الذين سيدخلون الجنة، ومَنْ عداهم سيدخلون النار. وتنبع خطورة هذا النوع من التطرف في أنه يتخذ من الدين ستاراً له، برغم أن الدين بريء من ذلك، فالأديان جميعها لا تعرف التطرف بأي شكل من أشكاله، وإنما ترفضه مطلقاً، وتحضُّ بدلاً من ذلك على التسامح والاجتهاد وقبول الآخر والرأي المختلف.

وبالعودة إلى السؤال، وبملاحظة ظاهرة التطرف طوال السنوات الماضية في المنطقة والعالم، يمكن القول إن التطرف الديني هو النمط الغالب، إذ إن الجماعات الدينية المتطرِّفة باتت هي المنتشرة في هذه المرحلة. ومن الصفات الرئيسية لهذا التطرف: تبنِّيه العنف وسيلةً لتحقق أهدافه، وهو ما يبدو واضحاً في سلوكيات الجماعات المتطرفة في بعض بلداننا العربية، وعلى سبيل المثال استخدمت جماعة «الإخوان المسلمين» العنف في مصر، ولجأت إلى استخدام المتفجِّرات لترويع الآمنين، وفي سوريا والعراق حمل تنظيم «داعش» السلاح لتنفيذ أهدافه، كما لجأت الجماعات السياسية الدينية في ليبيا إلى بسط سيطرتها على الأرض في مواجهة الحكومة المعترَف بها دولياً.

وبالإضافة إلى ذلك يتسم التطرف بأنه يرتبط بمناطق الأزمات، فما من دولة تمر بأزمة إلا ظهر فيها التطرف، والأمثلة كثيرة كما في سوريا والعراق وليبيا واليمن، إذ تستغل الجماعات المتطرفة حالة السيولة والهشاشة التي تشهدها الدولة في هذه الحالة، لترسِّخ أقدامها، وهو ما نجح فيه تنظيم «داعش» بدرجة كبيرة في العراق ثم في سوريا، وتنظيم «القاعدة» في اليمن، وبعض التنظيمات الأخرى مثل «أنصار بيت المقدس» في سيناء بمصر، وغير ذلك من الأمثلة.

والسمة الأخرى التي يمكن الحديث عنها هي أن هذا التطرف أصبح عابراً للحدود، فلم تَعُد الجماعات المتطرفة تقتصر على أماكن نشأتها، وإنما تسعى إلى التمدُّد والوصول إلى أماكن أخرى.

موقع الغرب

* كيف تقرأ المشهد الغربي وتأثيراته في المجتمعات العربية؟ وكيف تقوِّم الموقع الاستراتيجي للعرب في المعادلات الدولية؟

** منذ بداية الأحداث، التي شهدتها المنطقة عام 2011، وما اصطُلِح على تسميته «الربيع العربي»، كان العديد من السياسيين والمثقفين في الولايات المتحدة الأميركية والغرب يعتقدون أن الجماعات الدينية السياسية تمثل بديلاً يمكن الاعتماد عليه في قيادة عملية التغيير والإصلاح في الدول العربية، وقد لاحظنا تأييد بعضهم لهذه التيارات الدينية السياسية في البداية، لكن يبدو لنا اليوم، بعد أن فشلت هذه الجماعات في تنفيذ الحدِّ الأدنى من أيِّ إصلاحات، أنهم بدؤوا مراجعة مواقفهم، بل إنهم يوجِّهون إليها حالياً أشد سهام النقد بسبب ذلك الإخفاق.

أما فيما يتعلق بتقويم الموقع الاستراتيجي للعرب في المعادلات الدولية، فإنه لا يمكن أن يتم بمعزل عن الفهم الدقيق للتطورات التي يشهدها العالم من حولنا، والوعي بتحولاتها وتغيراتها على المستويات الاقتصادية والسياسية والأمنية والاجتماعية والثقافية، وإدراك توازنات القوى فيه حتى يمكننا، سواء في دولة الإمارات العربية المتحدة، أو دول «مجلس التعاون لدول الخليج العربية» والعالم العربي بوجه عام، أن نتعامل معها على أسس سليمة، ومن منطلقات علمية صحيحة تمكِّننا من التعامل بفاعلية مع هذه التطورات والاستفادة ممَّا تتيحه من فرص، أو احتواء ما تثيره من تحديات.

وأستطيع أن أقول هنا إن كثيراً من الدول العربية، في ضوء ما تعانيه من مشكلات تنموية ومخاطر التطرُّف والإرهاب، قد تواجه صعوبة في الاستجابة لمطالب شعوبها، على الأقل في المدى القريب المنظور. كما أن استمرار الأزمات الرئيسية التي خلَّفتها أحداث «الربيع العربي»، وفي مقدمتها الأزمة السورية، والأزمة في اليمن، والأوضاع في كل من ليبيا والعراق، قد يغري قوى إقليمية خارجية بالتدخل في هذه الدول لملء الفراغ الذي تشهده.

لكني مع هذا، أستطيع القول إنه توجد صحوة عربية على الطريق، وتحركات جادَّة لاستعادة الدور العربي الفاعل والمؤثر في أحداث المنطقة، وهذا ما بدا واضحاً في عملية «عاصفة الحزم». ولا شك أن هذا التحرك الاستباقي يدشِّن مرحلة جديدة من العمل الخليجي والعربي المشترك، مرحلة المبادرة والفعل، وليس ردَّ الفعل، وهذا أمر يبعث على الثقة والتفاؤل بالمستقبل، لأن هذا التحالف العربي يمثل مدخلاً مهماً نحو تعزيز الأمن القومي العربي، والتصدِّي للتحديات التي تواجهها الدول العربية، ولعلَّ ما قاله سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة -حفظه الله- مؤخراً في كلمته عبر مجلة «درع الوطن» بمناسبة الذكرى التاسعة والثلاثين لتوحيد القوات المسلحة، من أن دولة الإمارات العربية المتحدة تطمح إلى الإسهام في استعادة التوازن بالمنطقة العربية عبر بوابة الأمن والاستقرار، يعبِّر بجلاء عن هذه الصحوة، ويؤكد في الوقت نفسه أهمية تعزيز التعاون بين الدول العربية في هذه المرحلة، من أجل تحصين المنطقة العربية من أيِّ محاولات لاختراقها، وتهديد أمنها القومي.

الإمارات ثقافياً ً.. على الطريق السليم

* بَعد نظرة دقيقة وفاحصة للواقع الراهن، نسأل: كيف تستكمل دولة الإمارات العربية المتحدة خطَّتها الاستراتيجية نحو مستقبل عنوانه التنمية الشاملة؟

** إذا كانت أدبيات التنمية المعاصرة تؤكد أنه لا نهضة حقيقية من دون قيادة طَمُوح وقادرة على إدارة الموارد المتوافرة لديها بكفاءة ورشد، فإن دولة الإمارات العربية المتحدة تقدِّم نموذجاً ملهِماً في هذا الشأن، فالقيادة الرشيدة لسيدي صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة ،حفظه الله، تملك رؤية شاملة وطَمُوحاً لتحقيق التنمية، وهذه الرؤية بدأت تؤتي ثمارها في الإنجازات التنموية المتعدِّدة التي تشهدها الدولة في المجالات كافة، بل تؤكدها المؤشرات والتقارير الصادرة عن المنظمات الدولية المرموقة. ولعل أحد أهم هذه المؤشرات دلالةً هو تصدُّر دولة الإمارات العربية المتحدة لـ«مؤشر السعادة العالمي 2015» عربياً وخليجياً، وهو المؤشر الذي يصدر تحت إشراف الأمم المتحدة، وحصولها على المرتبة العشرين عالمياً بين الدول الأكثر سعادة. ولا شك في أن هذا الإنجاز العالمي لدولة الإمارات العربية المتحدة، الذي يضاف إلى نجاحاتها وإنجازاتها التنموية التي لا تتوقف، لم يأتِ من فراغ، وإنما من نهج وطني يقوم على جعل المواطن في مقدِّمة أولويات الخطط التنموية في الحاضر والمستقبل، وعَدِّه صانع التنمية وهدفها في الوقت نفسه.

وأود التأكيد هنا أن دولة الإمارات العربية المتحدة تنطلق في مسيرتها التنموية من خطط مدروسة تتضمَّن أهدافاً واضحة ومحدَّدة ومؤشرات يمكن قياسها والتعرف إلى مقدار الإنجاز فيها، فقد تضمَّن أحدث تقرير مفصَّل عن تطوُّر تنفيذ «الأجندة الوطنية لدولة الإمارات العربية المتحدة» -التي أطلقت عام 2014 وستستمر حتى عام 2021- العديد من المؤشرات الإيجابية، إذ بلغت نسبة الشعور بالأمان لدى أفراد المجتمع 92%، كما ارتفع نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي من 56 ألف دولار إلى 59 ألفاً سنوياً. كما يوجد الكثير من المؤشرات الإيجابيَّة التي استطاعت الدولة أن تحقق فيها مراتب متقدمة على الصعيدين الإقليمي والدولي، وتؤكد في مجملها أن دولة الإمارات العربية المتحدة تسير في الطريق السليم، ماضية في تحقيق أهدافها بخطىً واثقة، وقادرة على أن تعزز مكانتها على خريطة الاقتصادات المتقدمة، وصولاً إلى تحقيق هدف «رؤية الإمارات 2021» بأن تكون من أفضل دول العالم في اليوم الخمسين لإنشائها.

ريادة ثقافية

* تطالعنا الأخبار اليومية بالكثير من الإنجازات الثقافية للعاصمة أبوظبي، في رأي سعادتكم هل تلعب هذه الثقافة دورها الصحيح في بناء المجتمع؟ وما علاقتها مع المواطنين الإماراتيين، وخاصة الشباب منهم؟

** بداية ينبغي تأكيد أهمية الجهود التي تبذلها قيادتنا الرشيدة في دعم الثقافة وتعزيزها، سواء على مستوى دولة الإمارات العربية المتحدة عموماً، أو على مستوى كل إمارة من الإمارات السبع على حدة، وذلك إيماناً بالدور الكبير والمهم الذي تلعبه الثقافة في تحصين المجتمع أمام تيارات الفكر المتطرف، ورغبةً في الحفاظ على الثقافة الإماراتية الأصيلة في عالم يتغيَّر بشكل مستمر، ويفرز العديد من التحديات للهويات الوطنية للمجتمعات والشعوب.

وانطلاقاً من هذا الدعم اللامحدود، الذي تقدمه قيادة الدولة إلى الثقافة، فقد نجحت العاصمة أبوظبي في أن تكون مركزاً ثقافياً مهماً يتوازى وأهميتها السياسية والاقتصادية العالمية المعروفة، وذلك بالنظر إلى ما حققته من إنجازات ثقافية مشهودة، إذ احتضنت الإمارة، على مدار السنوات الماضية، العديد من المشروعات الثقافية الرائدة كالمعارض الفنية الضخمة، والمهرجانات السينمائية والشعرية، التي أكدت جميعها الوجود الثقافي الفاعل لأبوظبي في الساحة الثقافية الدولية.

ولا أبالغ إذا قلت إن أبوظبي ستكون صاحبة الريادة الثقافية بالمنطقة في المستقبل القريب، وذلك نتيجة تبنيها مشروعات ثقافية عالمية ومحلية، تُثري بها المشهد الثقافي دولياً وإقليمياً وعربياً، ومنها تنظيم المعارض الفنية التي تستقطب أبرز صالات العرض الفنية في العالم، وإنشاء «أكاديمية الشعر العربي»، التي تُعَدُّ أول أكاديمية ثقافية من نوعها في الوطن العربي، و«جائزة الشيخ زايد للكتاب» بفروعها التسعة، وتنظيم المسابقات الشعرية الكبيرة، وإنشاء المنطقة الثقافية في جزيرة السعديات، التي تضم «متحف الشيخ زايد الوطني»، و«متحف جوجنهايم- أبوظبي للفن الحديث والمعاصر»، و«متحف اللوفر- أبوظبي العالمي»، ومركز الفن التمثيلي، ومتحف بحري وحديقة ذات أجنحة تخصص للثقافة والفنون، ومشروع «منارة السعديات» الذي افتتِح في نوفمبر 2009، ويضم «جاليري أبوظبي للفنون»، فضلاً عن «معرض أبوظبي الدولي للكتاب»، الذي أصبح واحداً من أهم المعارض في المنطقة والعالم، ليس لكونه يستقطب أقطاب الفكر والثقافة والأدب والإعلام من جميع أنحاء العالم فقط، بل لدوره المهم في إثراء الحياة الثقافية ونهضتها بوجه عام أيضاً، ناهيك بدوره المميَّز في التعريف بتراث الدولة وثقافتها للعالم الخارجي.

أما عن تأثير الثقافة في بناء المجتمع، فأؤكد هنا أن الاهتمام بالثقافة والتكوين الثقافي للفرد والمجتمع لم يَعُد ترفاً أو أمراً ثانوياً، إنما هو أمر في صميم المصلحة الوطنية، ولا أبالغ إذا قلت إن المصلحة الوطنية لا يتم تحققها الكامل من دون إطار أو وعاء ثقافي مدروس ومتكامل. وقد لعبت الثقافة بالفعل دوراً حيوياً في بناء المجتمع، إذ أسهمت في بناء شخصية المواطن، ومنحَته هويته الوطنية، وعزَّزت من ثقته بنفسه، ورفعت درجة وعيه الفكري، وجعلته قادراً على التعامل مع الآخر، وقبول الرأي المختلف، كما ساعدته في الانفتاح على الآخر، وعلى الثقافات المغايرة، وهو أمر ضروريٌّ في ظل تعدُّد الثقافات الموجود في الدولة بحكم تعدُّد الجنسيات التي تعيش فيها، وتعمل هذه الأمور كلُّها على بناء مواطن واعٍ يستطيع مواجهة الأفكار الهدامة من خلال مناقشتها ودحضها.

أما عن علاقة الشباب بالثقافة، فيمكن القول إنهم في حاجة إلى إدراك أهميتها في بناء شخصياتهم، وصقل تجاربهم الإنسانية، وضبط سلوكياتهم المجتمعية، إذ إن الثقافة تهذِّب النفوس، وتسمو بالذوق، وتنمِّي الوعي، وهنا يأتي دور المؤسسات الثقافية والإعلامية التي عليها أن تبذل جهوداً أكبر للوصول إلى هؤلاء الشباب، وإقناعهم بالدور المهم للثقافة في بناء المجتمعات والدول.

السؤال الثاني عشر: كيف يمكننا أن نتقصَّى النتائج العملية الملموسة على أرض الواقع لحصيلة الجهود البحثية والفكرية التي بذلها مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية طوال السنوات الماضية؟

حينما أنشئ مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجيَّة في الرابع عشر من مارس 1994، كان ذلك تعبيراً عن إيمان قيادة دولة الإمارات العربية المتحدة بأهمية العلم بصفته مدخلاً أساسياً للتقدُّم وتحقيق التنمية، وضرورة أن تستند مسيرة الوطن النهضوية إلى قاعدة علمية وبحثية عصرية ودقيقة، كما يحدث في الدول المتقدِّمة في العالم، وكما حدث في كل تجارب الانتقال إلى التقدم، التي خاضتها دول عديدة خلال العقود الأخيرة، ولذلك فقد حظي المركز، ولا يزال، بدعم لامحدود من سيدي صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة ،حفظه الله، وسيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، رئيس مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجيَّة ،حفظه الله، لأن القيادة في دولة الإمارات العربية المتحدة كانت لديها إرادة قوية للاستفادة من المركز ومن بحوثه ودراساته العلميَّة.

وقد أدرك المركز منذ اليوم الأول لإنشائه أنه جزء أساسيٌّ من المنظومة الفكرية والعلمية والمؤسسية لمشروع التنمية في دولة الإمارات العربية المتحدة، ومن ثم حرص، ويحرص دائماً، على أن يكون في خدمة صانع القرار من خلال الدراسات، والبحوث، واستطلاعات الرأي، وقواعد البيانات، والمؤتمرات، والندوات، والإصدارات، وغيرها. ولعل أهم ما يميز عمل المركز أنه على تماسٍّ مستمر مع حاجات المجتمع الإماراتي ومتطلباته، فأنا أؤمن، من خلال إدارتي للمركز، بأن قيمة أي مؤسسة ودورها في عملية التنمية في بلدها تتحدَّد بمقدار إسهامها في خدمة المجتمع، وتفاعلها مع أولوياته وأهدافه.

ومن يتابع الأنشطة المختلفة للمركز، من محاضرات وندوات وإصدارات علمية، يدرك حجم الإنجازات التي تحققت على هذا الطريق، سواء بالنسبة إلى عدد الإصدارات الذي وصل إلى 1100 إصدار، تناقش مختلف القضايا التي تهم دولة الإمارات العربية المتحدة، سواء كانت قضايا سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية، فضلاً عن النشرات اليومية التي تتابع بشكل موثق وتحليليٍّ أحداث المنطقة وتطوراتها، إضافة إلى إجراء المسوح الميدانية واستطلاعات الرأي، بهدف التواصل مع المجتمع وقضاياه، والإلمام بمشكلاته، ومتابعة التطورات العلمية في شتَّى الميادين، ودراسة انعكاساتها على الدولة والمنطقة، ثم تبنّي البرامج التي تدعم تطوير الكوادر الوطنية والارتقاء بقدراتها العلمية، وذلك في إطار وضع رؤىً استشرافيَّة للمستقبل، تعتمد على قواعد وأسس منهجية تصبُّ جميعها في دعم عملية التنمية الشاملة التي تعيشها دولة الإمارات العربية المتحدة على المستويات كافة.

كما قدَّم مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، في الآونة الأخيرة، العديد من المبادرات النوعيَّة التي تستهدف تشجيع ثقافة البحث العلمي في دولة الإمارات العربية المتحدة والمنطقة العربية بوجه عام، كمسابقة «دُرَّة وطن»، التي تستهدف تشجيع الباحثين على إعداد الدراسات العلمية حول تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة في مختلف المجالات، على النحو الذي يسهم في تحقيق الطموحات التنموية التي تتطلَّع إليها، وأودُّ أن أشير هنا إلى أن مسابقة «دُرَّة وطن» في دورتها الثالثة هذا العام (2015) ستُخصَّص لإنجازات سيدي صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة ،حفظه الله، الذي يقود مرحلة التمكين، التي تبوأت دولة الإمارات العربية المتحدة من خلالها أفضل المراكز في مؤشرات التنمية المختلفة، وأصبحت نموذجاً تتطلَّع الدول كافة إلى السير على منواله، والاستفادة منه في بناء تنمية شاملة ومستدامة. هذا فضلاً عن مبادرة تحالف«عاصفة الفكر» التي أشرت إليها سلفاً، وتنطلق من أهمية تفعيل دور مراكز الدراسات والبحوث العربية خلال الفترة المقبلة، في مواكبة المتغيرات والمستجدات التي تشهدها المنطقة، ودراستها وتقديم رؤى علمية جادة بشأنها تساعد على فهمها من ناحية وتدعم صانعي القرار في اتخاذ الإجراءات المناسبة في التعامل الإيجابي معها من ناحية أخرى.

واقع مرّ

* بشكل شخصيٍّ: سعادة الدكتور جمال سند السويدي، ما الذي يقلقكَ اليوم؟

** في الحقيقة استحضر هذا السؤال مقولة لا تزال عالقة في ذاكرتي، وهي تمثل درساً تعلَّمناه من مدرسة المغفور له -بإذن الله تعالى- الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان -طيَّب الله ثراه- إذ تدعونا إلى أن نحب شعبنا وأمتنا، وأن يكون ما يفرحهم يفرحنا، وما يقلقهم يقلقنا، إذ يقول رحمه الله: «إن دولتنا جزء من الأمة العربية، يوحِّد بيننا الدين والتاريخ واللغة والآلام والآمال والمصير المشترك، ومن حقِّ أمتكم عليكم أن تشاركوها آمالها وآلامها»، لهذا لا أخفيكَ سراً، إذا قلت إن ما يقلقني اليوم هو الواقع المرُّ، وما يصيب الأمة في العديد من بلدان العالمَين العربي والإسلامي، وبلدان العالم الأخرى، من مآسٍ وحروب أهلية، وفقر وتخلُّف، وتناحر ديني وطائفي وعرقي وسياسي بالتزامن مع انتشار التطرُّف والعنف والإرهاب، والغياب الكامل أو شبه الكامل للحدِّ الأدنى من الخدمات الإنسانية الأساسية في بعض البلدان، لأن استمرار هذا الواقع يمثل بيئة خصبة للجماعات المتطرِّفة لنشر أفكارها الهدامة، والتأثير في عقول الشباب ومدركاتهم، بل لا أبالغ إذا قلت إنه يغذي ثقافة اليأس وغياب الأمل لدى كثير من شبابنا، صحيح أن هذا قد يكون أمراً طبيعياً بسبب الظروف التي تشهدها بعض دول المنطقة من مشكلات اقتصادية وفقر وبطالة، لكن علينا أن نزرع الأمل والتفاؤل، ونقدِّم القدوة إلى الشباب، حتى لا يقعوا فريسة لأفكار ظلاميَّة وهدامة.

عامل آخر للقلق يتمثل في غياب التخطيط الاستراتيجي البعيد المدى في منطقتنا العربية، فإذا نظرنا إلى العالم من حولنا سنجد أن الدول المتقدمة تضع خططاً مستقبلية لعقود، وتستعين بالخبرات والمراكز البحثية لمساعدتها على ذلك، وهذا أمر ما زال في بداياته بعالمنا العربي، برغم أننا أحوج ما نكون إلى ذلك، خاصة أن دولنا العربية تواجه تحديات ومشكلات عديدة في وقت تحتاج فيه إلى بلورة استراتيجيات شاملة ومتكاملة. وآمل أن تكون مبادرة «تحالف عاصفة الفكر»، التي أطلقناها في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية مؤخراً، بداية جادَّة على هذا الطريق، خاصة أنها تستهدف تفعيل دور مراكز البحوث العربية، والتنسيق فيما بينها، لتجري دراسات مشتركة تعمل من خلالها على تحليل الأوضاع كافة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والأمنية، وتقديم البدائل والخيارات المحدَّدة إلى متخذي القرار في دولنا العربية. كما يقلقني استمرار المشهد الثقافي العربي، بمفرداته التي أوضحتُها سلفاً، لأن ذلك يعني غياب الاهتمام بالثقافة كأولويَّة عربيَّة، لهذا فإنني آمل أن تشهد المرحلة المقبلة نهضة ثقافية عربية، وأن تولي الدول العربية اهتماماً متزايداً للاستثمار في صناعة الفكر والمعرفة، من منطلق أن الثقافة باتت إحدى وسائل القوة الناعمة، ويمكن توظيفها في تعزيز صورتها الخارجية، ودعم سياساتها الخارجية في آنٍ واحد.

وبرغم كل ما سبق، فإن هناك مؤشرات تبعث على التفاؤل والأمل في العالمين العربي والإسلامي، لا يمكن تجاهلها، فإطلاق دولة الإمارات العربية المتحدة قبل أيام «مسبار الأمل» لاستكشاف المريخ قبل نهاية عام 2021، يؤكد أننا بصفتنا دولاً عربية وإسلامية نستطيع أن ننافس في أي مجال من مجالات الترقي والتطور، وهذا هو الدرس الذي تقدمه دولة الإمارات العربية المتحدة إلى العالمين العربي والإسلامي: «لا مستحيل ما دمنا واثقين بأنفسنا وبقدراتنا المادية والبشرية، ولدينا طموح للتفوُّق والإنجاز».

الإمارات نموذج مُلهِم

تقدِّم الإمارات العربية المتحدة نموذجاً ثقافياً ملهِماً في إطار الحرب الفكرية على الإرهاب، قوامه قيم الاعتدال والوسطية والتسامح والانفتاح والتعايش بين الأعراق والأديان والحضارات، وكلنا تابع مؤخراً فعاليات الدورة الثانية للمنتدى العالمي «تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة 2015»، التي استضافتها العاصمة أبوظبي في شهر إبريل الماضي، وسلَّطت الضوء على الكثير من القضايا والإشكاليات المهمة في هذا الشأن، وقدمت مجموعة من المقترحات والتصورات المهمَّة، التي يمكن أن تُبنَى عليها استراتيجية ثقافية وفكرية فاعلة لمواجهة هذه الحركات والجماعات الظلامية.

عاجل جداً///

عاصفة للفكر

يولي مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية اهتماماً استثنائياً لدور الثقافة في الحرب على الإرهاب لهذا أطلق مؤخراً مبادرة لتشكيل تحالف من المراكز البحثية العربية تحت اسم تحالف «عاصفة الفكر» يتكوَّن من المراكز البحثية العربية، وبخاصة من الدول المشاركة في تحالف «عاصفة الحزم». وآمل أن تدشن هذه المبادرة ، التي ستبدأ فعالياتها في شهر سبتمبر المقبل، لمرحلة جديدة من التعاون بين المراكز البحثية العربية؛ وتسليط الضوء على القضايا التي ترتبط بأمن واستقرار الدول العربية والإسلامية، وفي مقدمتها قضية التطرف والإرهاب.

المقدمة/ حوار السويدي

يرى المفكر الإماراتي سعادة الدكتور جمال سند السويدي المدير العام لمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية أن الأمة العربية تعيش مأزقاً تاريخياً، وأن اختزال هذا المأزق في سياق ديني تاريخي يغرقنا في جدالَيْن فكري وفقهي فيما نحن أحوج ما نكون إلى رؤىً مستنيرة وأفكار متجدِّدة، ويهدر الوقت ويشتت الجهود التي ينبغي أن تتضافر لمحاربة التطرف والإرهاب والفكر الظلامي، الذي يشكل الخطر الحقيقي والداهم، والذي بات عابراً للحدود.

ويقدم في حواره مع «الاتحاد الثقافي» رؤية شاملة للحال الثقافية والسياسية التي يعيشها العالمان العربي والإسلامي، ويوصّف الواقع واضعاً يده على مكامن الخلل، مطالباً بالاعتراف بوجوده كخطوة أولى على طريق إصلاحه، لافتاً إلى أن الثقافة هي أحد الأطراف المهمة في الحرب على الفكر الظلامي، وتعريته، وكشف زيف الشعارات الدينية البراقة التي تتلاعب من خلالها الجماعات الدينية بعقول الشباب والناشئة، حاثاً على ضرورة إحداث ثورة فكرية ثقافية شاملة تخاطب الشباب خصوصاً وتقدم لهم بارقة من الأمل.

ويشير السويدي في ثنايا الحوار إلى أن ارتهان بعض الدول العربية لأيديولوجية الجماعات الدينية السياسية هو العقبة الرئيسية أمام التنمية والتطور والحداثة، أن الاعتراف بالمشكلات والأزمات التي تعيشها هذه الدول هو بداية الطريق نحو دحر خطر الإرهاب والتطرف، ويلمح إلى أن محاربة الفكر المتطرف من خلال الفكر والثقافة ونشر الوعي المجتمعي بمبادئ الإسلام الحنيف التي تحث على الوسطية والاعتدال هي الوسيلة الناجعة هو نقطة البداية في مواجهة الفكر المتطرِّف... كما يتناول الدور المطلوب من المثقف في هذه المرحلة، والموقع الاستراتيجي للعرب في العالم المعاصر، معرّجاً على قضايا أخرى تجدونها في ثنايا الحوار:

أنا قلق!

يقلقني الواقع المرُّ وما يصيب العالم من مآسٍ وحروب أهلية وفقر وتخلُّف وتناحر ديني وطائفي وعرقي وسياسي بالتزامن مع انتشار التطرُّف والعنف والإرهاب والغياب الكامل أو شبه الكامل للحدِّ الأدنى من الخدمات الإنسانية الأساسية في بعض البلدان.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا