• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

وسواس موموس أخذهم إلى مطارح غير نقدية

ُنقّاد موموسيّون..

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 28 مايو 2015

حنا عبود

كتب إبراهيم عبد القادر المازني في «قبض الريح» عن مشروع نقد كتاب «حديث الأربعاء» لطه حسين كان يتردد في معالجته فوصف شيطانه النقدي: «والآن ما رأينا في أسلوب صديقنا الدكتور طه حسين؟! الحق أن هذا الموضوع يدق فيه الكلام! ولقد بدأت الكلام وفي عزمي أن أفيض في بيان رأيي في الأسلوب، ولكني لم أكد أسود بضعة سطور حتى ألفيت نفسي أوجز وأوجز وأوصد كل باب موارب في طريقي وأضيق دائرة البحث، ثم إذا بي أسأل نفسي: ما رأيي! في أسلوب الدكتور؟! ولقد تقمصني والله عفريت النقد! وإني لأحس أن عينيّ قد احمرتا، ويبلغ من إحساسي بذلك أو توهمي إياه أني أهمّ بالتطلع إلى وجهي في المرآة! ولا أكتم القراء أني صرت أؤمن بأن لكل منا شيطاناً، وأحسب شيطاني من أخبث الشياطين، فإنه يزج بي في مآزق لا أرضاها لنفسي لو كان الأمر لي.. وإن على مكتبي لأكثر من خمسة عشر كتاباً أستطيع أن أتناولها بما شئت من النقد وآنا آمن أن ألقى أصحابها إذا كنت لا أعرفهم، ولكن شيطاني الخبيث ظل يخايلني بكتاب الدكتور حتى أخرجته من بين إخوانه وقلت له: «تعال يا هذا». وأخذت أقلب صفحاته كما يفعل المرء بالخروف يريد أن يشتريه لعيد الأضحى! والحق أقول إنه أعجبني! وأنا ألقى الدكتور كل يوم وأحادثه أكثر مما أحادث نفسي. ولكم قلت لنفسي وهو لا يدري «لا يا شيخ! دع كتاب الدكتور إلى سواه، فإن للزمالة حقاً واجب الرعاية وستخجل أن تلقاه بوجهك هذا إن نقدته». ثم لا أكاد أخلو بنفسي حتى يهمس في أذني ذلك العفريت اللعين: إن الأدب فوق الصداقة والزمالة، وإن بروتوس كان يقول: «إني أحب قيصر ولكن رومية أحب إليّ» وإن لك كتاباً كما له كتاب فلينقده إذا أحب، وليس من شأن النقد الأدبي أن يفسد ما بين الصديقين. وهكذا حتى اقتنعت وتناولت القلم فكتب به الشيطان ما يأتي».

وراح ينقد أسلوب الدكتور حتى وصل إلى درجة أنه لو أن باحثاً بعد قرنين من الزمن أراد البحث في شخصية تدعى طه حسين لانتهى إلى أنها شخصية خرافية لا وجود لها، لأن هناك العديد من الكتاب انتحلوا هذا الاسم، فهناك من يقول إنه كفيف البصر، بينما يقول هو عن نفسه إنه يرى ويبصر، وهناك من يقول إنه ناثر بينما نجد شعراً باسم الدكتور.. فطه حسين شخصية خرافية.. إلخ. وفي النهاية يتخلص من شيطانه ويرى أن نفي وجود شخصية الدكتور ليس سوى نقد مفتعل.. إلخ.

ولادة ميثولوجية

أبدع المازني في استيلاد شيطان النقد لا يجاريه في ذلك ولا حتى غوته في مسرحيته «فاوست» عندما يلتقي مفيستوفيلس مع بطله. إنها ولادة ميثولوجية، ولكنك لو تعمقتها لوجدت أنها أكثر واقعية مما يجري في دنيا الواقع. ولكن المشكلة أننا عندما نقرأ العواطف والنزعات الإنسانية بعد تشخيصها نتهمها بالخرافة والخيال، مع أن واقع العواطف والنزعات الجوّانية هو ما يسيّر الواقع المادي.

الشيطان الذي حدثنا عنه المازني، والذي استولده من أعماقه المظلمة، يسمى في الميثولوجيا اليونانية (موموس - Momus) ولا ندري إن كان المازني في تلك الأيام قرأ ما كتبه اليونان والرومان عن موموس، ولكن الوصف الذي خصه به يكاد يكون الوصف الذي جاءتنا به تلك الميثولوجيا. ففي كتاب الثيوغونيا أنه ابن ربة الليل، ولا أب له. لكن شيشرون يرى أنه ولد من ربة الليل بعد زواجها من أريبوس، رب الظلمة ووالد النهار. ويقصد شيشرون أن زواج رب الظلام مع ربة الليل أدى إلى نقيض الجوّ القائم فانبثق النور. وهو تخريج ذكي لولادة موموس. إلا أن الأرجح أن يكون طفلاً أنتجته ربة الليل، أي لا يُعرف أصله وفصله، يأتي من المجهول المظلم، كما شخص المازني تماماً، فمن أعماق الليل الداخلي في النفس البشرية يشعر المرء بشيء يدغدغه.. يحاول إبعاده، ولكنه يظل يلح عليه حتى ينصاع له.

تاريخ موموس ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف