• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م
  11:17    أمير الكويت يقول إن خيار تخفيض الإنفاق العام أصبح حتميا        11:18    تركيا.. هناك مؤشرات على أن هجوم اسطنبول نفذه حزب العمال الكردستاني    

كيف أبصر الرحالة المدينة وماذا كتبوا عنها؟

المنتمي و«اللامنتمي» و.. العين

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 28 مايو 2015

عمار السنجري

هكذا يصف نيكوس كزانتزاكي إحدى جزر اليونان العديدة، ولا أظن أني كنت أبحث في مدينتي «العين» - إن سمح لي أهلها أن أستعمل هذه الكلمة فشعوري لا يختلف مطلقاً عن شعورهم بالفخر بهذه المدينة- عن شيء غير الطمأنينة مثلما كان يفعل كازنتزاكي في بحثه عنها في جزيرة ناكسوس. أحياناً ينتابني شعور بالاشتياق لها وأنا فيها، شعور ربما صبياني، ربما أحن لوجوه فقدتها أحاطتني بدفئها يوماً ما، فأروح أذرع الشوارع الهادئة بسرعة بطيئة وأنا أقود سيارتي منفرداً أغلب الأوقات، أتفرس في دقائق ما أرى، وأُحاول أن أُخَزّن في ذاكرتي ما يمكنني تخزينه من مشاهد، أشجار اليوكالبتوس الباسقة وظلالها عند أذان العصر. لقد كبرت في هذه المدينة، يا الله، كم نسمة طرية هبت من هذه الظلال ومرت على وجوهنا الصغيرة، وكم تعتقت أحلام كنا نحلم بها أيام المراهقة وفورة الوعي بالثقافة وما خلفته دروس المطالعة اللذيذة التي كنت أحبها، وأتمنى أن تطول، كأن ينسانا الأستاذ في مكتبة المدرسة إلى نهاية اليوم الدراسي بدل دروس الرياضيات التي أكرهها وكانت تسبب لي عقدة، أصبحت فيما بعد مزمنة وحملتها معي إلى اليوم. إلى اليوم.. لا أفهم لغة الأرقام وأظنني أضعف طالب في مادة الرياضيات مرَّ على مدارس الكون. لذلك لا أفهم إلى اليوم كيف أوفر أو كيف أستثمر، وكل محاولاتي كانت عبثاً، فاشلة، لأني لم أستطع أن أوفر أو أستثمر إلا مشاعري الصادقة تجاه هذه المدينة التي نَحَتَت عمري وربَّتني على الهدوء والجدية في التعامل مع البشر وتجنب خداعهم.. مشاعر صادقة، نعم، ولي الفخر إنها هي الشيء الوحيد الذي أمتلكه بوفرة تجاه مدينتي العين..

وجوديٌّ صغير

في حصص المطالعة في مكتبة المدرسة وحصص اللغة العربية كان قد نبهنا مدرس مثقف إلى أهمية المطالعة وأهمية المواظبة على القراءة والاطلاع حتى أصبحت هذه العادة ديدننا وهوسنا الذي لازمنا حتى الكبر. كان هذا الأستاذ أول من نبهنا إلى ضرورة عدم التعصب لرأي معين وعدم ازدراء أي رأي مهما اختلفنا معه، وهو الذي عرفنا ونحن في تلك السن المبكرة (في الصف الثالث الإعدادي تقريباً) إلى أسماء كبيرة في عالم الفكر والرواية. وممن تعرفت عليهم مبكرا وأثر في قراءاتي فيما بعد كان كولن ولسن وكتابه الشهير «اللامنتمي»، قرأت تقريباً كل ما كان قد صدر له من مؤلفات مثل: عصر الهزيمة 1959، قوة الحلم 1961، اصول الدافع الجنسي 1963 ما بعد اللامنتمي 1965 ومؤلفاته الروائية: طقوس في الظلام 1960، ضياع في سوهو 1961، رجل بلا ظل 1963، القفص الزجاجي 1966، طفيليات العقل 1967. وجدتها حينها ممتعة وتشبع نهمي إلى المعرفة، هذا قبل أن نعرف ما هي الفلسفة الوجودية والوجوديين، وما هي الفلسفة أصلاً. وقبل أن نطلع على شوبنهاور وكيركجارد اللذين احببتهما بعمق، وشغفت بفلسفتهما، وقبل أن نقرأ ما كتبه سارتر عن الوجودية والذي وجدته معقداً جداً حتى في رواياته ومسرحياته التي لم أستطع أن أكمل أياً منها، كالجدار والذباب وغيرها، بينما وجدت كولن ولسن ممتعا جداً وأقرب إلينا في كتاباته من سارتر المغرق في تنظيراته العصية على أذهاننا وعقولنا الغضة آنئذٍ. ربما لأن كولن ولسن كانت له ظروف تعاطفنا معها حيث ولد لعائلة فقيرة من الطبقة العاملة وعانى في حياته، وتأخر في دخول المدرسة، وتركها مبكرا في سن السادسة عشرة ليساعد والده، وعمله في وظائف مختلفة ساعده بعضها على القراءة في وقت الفراغ، بسبب من قراءاته المتنوعة والكثيرة، نشر مؤلفه الأول (اللامنتمي) 1956 وهو في سن الخامسة والعشرين. وتناول فيه عزلة المبدعين (من شعراء وفلاسفة) ربما كنا نجد أنفسنا في هؤلاء أو على الأقل نتشبه بهم، عزلتهم عن مجتمعهم وعن أقرانهم وتساؤلاتهم الدائمة، وعزا ولسن ذلك إلى الرغبة العميقة في إيجاد فكر موضوعي وواضح يمكن له أن ينتقل إلى الآخرين، دون أن يقضوا حياتهم في البحث عنه. كان الكتاب ناجحا جدا، وحقق أصداء نقدية قوية، وجعل من الشاب الفقير كولن نجما في دوائر لندن الثقافية، وصارت أخباره الخاصة تتصدر أعمدة النميمة الصحفية، أثر ذلك على كولن كثيرا وصار يتخذ موقفا من الصحفيين والنقاد، الذين سرعان ما بادلوه نفس الموقف، وهاجموا كتابه على أساس أنه «مزيف» ومليء بالنفاق. رغم ذلك، لا يزال ينظر للكتاب على أنه ساهم بشكل أساسي في نشر الفلسفة الوجودية على نطاق واسع في بريطانيا.

وكان يُنظر إلى كولن ولسون، على أنه ينتمي إلى مجموعة «الشباب الغاضبين»، - وهم مجموعة من الشباب المثقف المتمرد قدموا عدة أعمال مسرحية في الخمسينات- رغم أن ما كان يربطه بهم قليل جداً من الناحية الفعلية..

المنتمي

عندما كنت أسافر إلى الخارج منذ أيام المراهقة، كنت أحمل معي بعض كتبه وكتب كازنتزاكي كروايته «زوربا» ورائعته «تقرير إلى غريكو». كانت رحلاتي الأولى أيام المراهقة أغلبها إلى تركيا، وإسطنبول كانت أول مدينة ابتعد فيها عن العين، كنت عندما ألتقي بأخوة عرب هناك في المصايف التركية التي غالباً ما يرتادها المصطافون العرب والخليجيون كـ «يلوا» و«كوكجدرة» و«ترمال» ويسألونني من أي بلد أنت كنت أرد [لاشعورياً]: ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف