• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

محاولة لتغيير زاوية النظر إلى المشهد

الحرب على الرأس!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 20 أكتوبر 2016

آدم فتحي

نَعْلَمُ أنّنا لن نخرج سالمين من «المشهد». وكيف يَسْلَمُ من يرى أخاً أو ابناً أو «شبيهاً» يقطع رأس طفل أو يبقر بطن امرأة، أو يُقطّعُ أوصال جَنين رافعاً صوته بالتكبير «مُمَشْهِداً» وقائع فجيعتنا فيه وسُقوطنا معه؟ يتحتَّم علينا على الرغم من ذلك أن نُعمِل العقل في كلِّ ما لا يُعقَلُ، تلك محنةُ الإنسانيِّ فينا وتلك ميزته. ما إن يُقْطَعَ رأسٌ حتى نشعر بأنّ رؤوسنا كلّها تُقطع معه. وعلينا أن نحلم بما يُشْبِهُ الحوار بين المعقول واللامعقول لعلّنا نفهم ما لا يُفهَم. ما إن يُطاحَ بالرأس حتى تَحُلَّ «الهاوية» مَحَلَّ «الهويّة»، مُعلنةً عن فشلنا العامّ المُشتَرك، اقتصاداً وسياسةً ومجتمعاً وثقافةً، ثقافةً تحديداً. تحفر تلك الهاوية ثقْباً مكان الرأس وتطلبُ منه ابتلاع الوعي كي يتمّ تعميمُ العَمَى الفكريّ والأخلاقيّ. تَعْمَلُ الهاوية عمَل «الثقب الأسود» فتسعى إلى إعدام المخلوقات والمنجزات والقِيَم. القِيَم تحديداً. وعلينا أن نتجنّب إنكار مساهمتنا في إنتاج الهاوية إذا أردنا النجاة من «عَدَمِها». لا بدّ في سبيل ذلك من عُبور المحنة. محنة النظر إلى البشاعة والإشراف على اليأس وتحمُّل ما لا يمكنُ تحمُّله من إحساسٍ فادح بالعجز. لا مناص من الصعود إلى قمّة الهاوية إذا أردنا النجاة. علينا أن نشرب الكأس حتى الثمالة. أن نخترق اليأس حتى الأمل. أن نُترجم الهاوية إلى كلمات كي نستطيع التفكير فيها ومساءلتَها دون أن نسمح لها بابتلاعنا. أن نُسمّي هذه «الحربَ على الرأس».

تفكيك المشهد:

الحركة الأولى: سيفٌ في قبضةِ رأسٍ مُعربِد يقف خلفَ رأسٍ مُستباح أمام كاميرات مُستعارة من «ثقافة» المطلوبِ رأسُه، في رطانةٍ إيقاعيّة تجعل رأس الضحيّة السافر يبدو أكثر حياةً وإنسانيّة من رأس الجلاّد الملثّم! والنتيجة؟ ساديّةٌ «خام» لا تنجح في تبرئة المتفرّج من التماهي مع الجلاّد فتدفعه إلى التعاطف مع الضحيّة.

الحركة الثانية: يُفصل الرأس عن البدن في نوعٍ من الخزي الفَظّ. فظاظة لا علاقة لها حتى بفظاظة «البُطولة المُدَّعاة» حين كان الرأس يُحزّ في ساحة المعركة، كي يُعرَض على الأسوار مثل اللافتة الإشهاريّة أو يُعَلّق في الساحات العامّة مشدوداً بالمسامير إلى صلبان خشبية، بثّاً للرعب واستباقاً لأيّ رغبة في التمرّد.

الحركة الثالثة: يُرفَع الرأس في اتّجاه الكاميرا كأنّ الجلاّد يُعيد إنتاج لقطة قطع الرأس «ما قبْلَ التلفزيونيّة». اعتقد القُدامى أنّ الرأس يحتفظ بوعيه لعددٍ من الثواني بعد قطعه، لذلك كانوا يتيحون للقتيل أن «يُشاهِد» حماسة الشامتين فيه، ثمّ تلاشى هذا المعتقد ولم يبق منه إلاّ إمتاع العامّة بإذلال الخاصّة. إمتاع البَدَن بإذلال الرأس. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف