• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

من هنا بدأت حضارة الإمارات

«منطقة قصر الحصن».. سفر عبر الأزمنة

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 06 فبراير 2016

نسرين درزي (أبوظبي) تتواصل فعاليات مهرجان قصر الحصن لليوم الرابع على التوالي وسط حضور جماهيري كثيف احتفاء بالعرس التراثي الأضخم على مستوى الدولة. وهنا على الرمال التي احتضنت عظمة البناء الأول وتباشير المجد الحضاري لإمارة أبوظبي فيما بعد، يحار الزائر من أين يبدأ جولته. إذ لم توفر هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة الجهة المنظمة للحدث الوطني، زاوية من زوايا الموروث الشعبي إلا وجسدتها في صور حية وكأنها خرجت للتو من رحم التاريخ. وجديد المهرجان في دورته الرابعة استحداث بيئة عريقة شاملة هي «منطقة قصر الحصن» التي لا تتوقف عند فترة زمنية، يشعر بداخلها المتجول بعظمة هذا الصرح الذي يتخطى حدود العمارة ويغوص في حنايا القدم حتى النخاع. الذاكرة هنا حاضرة بتفاوت بين أجيال متعاقبة كل منها يحمل للقصر خواطر في البال إما بالتجربة والحنين لأيام خلت وإما بسماع روايات تركت في النفس بالغ الأثر حتى من غير مشاهدات. معبر الأمان الدخول إلى «منطقة قصر الحصن» ضمن مهرجان قصر الحصن يشبه العبور بين الأزمان. فهنا كل شيء يوحي بعراقة الماضي وبساطته وثراء أدوات على تواضعها تضاهي كل أوجه العصرية التي نعيشها اليوم. وها هي تعابير الزوار توحي بارتياح وهدوء نفسي تبثه حبيبات الرمل المنتشرة بين الدكاكين وعند المجالس المفروشة بالبسط والسعف والخوص. يجول الزائر في فرجان «منطقة قصر الحصن» فيتعرف بانبهار على الهندسة المعمارية الإماراتية التقليدية وآثارها على تطور التصاميم. ويطلع من خلال ورش العمل والعروض على أفضل أساليب التنقيب وكيفية البحث في الحفريات عن الآثار القديمة. ويتأمل بتتبع وإعجاب الطرق الأولية لبناء المنازل والحصون في الماضي. على بعد خطوات يتراءى «مجلس الحصن» الذي يحتل مساحة واسعة ضمن موقع المهرجان ويغص بالكبار والصغار من المهتمين بحكايات الماضي ومفرداته. ووسط أجواء تقليدية يحن إليها أبناء الإمارات، تتوزع الجلسات العربية حيث يسرد الأجداد قصصهم ويسترجعون من الذاكرة أجمل ما فيها من روايات. ويقص العم عبدالله الهاملي من صفحات الماضي مواقف انطبعت في باله عندما كان طفلاً صغيراً يمسك بيد والده داخل حديقة القصر. ويقول إنه لا يزال حتى اليوم يذكر تلك الملامح البيضاء للحصن المنيع كأعلى مبنى رأته عيناه في ذلك الوقت. ويطل «مجلس الحصن» على تاريخ القصر بإطلالة فريدة تطبع الدور البارز الذي لعبه على صعيد إمارة أبوظبي وإمارات الدولة على مدى أكثر من 250 عاماً. وأجمل ما في هذه الجلسات الوجدانية أنها توثق من خلال خبراء تراثيين محتوى المشاركات التي يراد لها أن تحفظ في ذاكرة الوطن كإرث للأجيال. وأكثرها عمقاً تلك الأسئلة العفوية التي يطرحها الأطفال من مختلف الجنسيات في اهتمام واضح بالتعرف على شكل الحياة قديماً وكيف كانت البدايات التي شكلت فيما بعد حضارة ووطناً. تفاخر الأجيال عن أجواء التفاعل ضمن فقرات مهرجان قصر الحصن المستمرة حتى 13 من الشهر الجاري، أورد سعود الحارثي المدير الإعلامي في هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة أن الحضور الجماهيري مبشر منذ اليوم الأول. وتحدث عن الاهتمام الواضح بكافة البيئات المنتشرة في الباحة الخارجية ولاسيما بيئة قصر الحصن التي تم استحداثها هذه السنة ضمن الفقرات الجديدة. وقال إنه بعد تعلق الزوار بالأجواء التراثية المتنوعة التي تمثلها كل من البيئة البحرية، والبيئة الصحراوية، وبيئة الواحة وبيئة جزيرة أبوظبي، كان لا بد من الإضاءة على التاريخ من زاوية أخرى. وهذه المرة من خلال ما يمثله قصر الحصن كواجهة رئيسية ومرجع حقيقي تتفاخر الأجيال بفصوله وتعاقب الأحداث من حوله. وأوضح الحارثي أنه للحفاظ على قصر الحصن كصرح تاريخي قل نظيره في المنطقة تجري أعمال الترميم بدقة متفانية، مع الاستعانة بكبار المهندسين والاستشاريين والحرفيين الدوليين. وهم متواجدون على مدار السنة لاستكمال الدراسات الهندسية حول المبنى التاريخي، وذلك لأغراض الترميم وضرورات الأبحاث التي تعيد جزءاً منه إلى لونه المرجاني كما كان في أربعينيات القرن الفائت. قصر وتجربة من أبرز المحطات البارزة التي يتعرف إليها زائر «منطقة قصر الحصن» من خلال السفراء - المرشدين المنتشرين داخل أرجاء المهرجان- أن المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، أمر في أواخر الستينيات ببناء مقر المجلس الاستشاري الوطني خارج جدران القصر. وقد شهد هذا المقر انعقاد الاجتماعات التي ناقشت اتحاد الدولة عام 1971. واليوم تعود الحياة مجدداً بين جدران الحصن ذاته الذي شهد نشأة العاصمة الإماراتية ونموها على مدى القرون الفائتة، وذلك من خلال فقرة حية تنطلق على شكل جولة تروي مسيرة هذا المبنى وتاريخه العريق. وتبدأ الجولة الليلية في قاعة المجلس الاستشاري الوطني حيث يمكن للزوار التعرف إلى الأصول التاريخية لأبوظبي ومراحل نموها، ممثلة في «قصر الحصن» بوصفه مركزاً للحوار والدبلوماسية والحكم والذاكرة الوطنية. ولاسيما أن قصر الحصن اعتبر في ذلك العصر سابقة عمرانية نتيجة للمواد المستعملة لبنائه، وهي من الأحجار المرجانية والبحرية التي يصعب رصها. والتميز هنا في اعتماد الطلاء المناسب للظروف المناخية، وهو خليط من الرمال والكلس والأصداف المطحونة. وكلها بحسب التصميم التقليدي الذي تحول في مرحلة لاحقة إلى معجم لفنون العمارة الأصيلة. أنشطة تفاعلية يتوزع في «منطقة قصر الحصن» كما في مختلف البيئات التراثية، نحو 3500 من الطلبة - السفراء الذين يستقبلون الزوار ويطلعونهم على برنامج المهرجان. بما فيه مجموعة من ورش العمل والأنشطة الثقافية والتفاعلية. وهم يساعدون الحرفيين والخبراء خلال إدارة ورش العمل ويوفرون إرشادات إضافية تنقل جمهور الحضور إلى فترة مهمة من التاريخ شهدت تشييد قصر الحصن كأول مبنى حجري في أبوظبي. وقالت السفيرة ريم راشد من ركن المطبخ الشعبي إنها سعيدة لمشاركتها في المهرجان والتعبير عن ولائها للوطن. وذكرت أن الزوار مهتمون بتذوق المأكولات التقليدية ولاسيما الأجانب منهم، والذين يحرصون على التعرف إلى المكونات والنكهات الأصلية. وهذا برأيها من صميم أهداف المهرجان الذي يسعى إلى نشر الثقافة المحلية من مختلف أوجهها. وتحدثت السفيرة خولة ياسين الحوسني الطالبة في كلية التقنية عن التنوع في فقرات المهرجان مما يجذب الزوار إلى النواحي التاريخية غير الواضحة بشكل واف عند شريحة من الناس. وأشارت إلى دور السفراء في تقديم الإرشادات للزوار والمعلومة الصحيحة بحسب التدريبات التي تلقوها في دورات تدريبية خلال الأسابيع الفائتة. وأشار السفير ناصر الحميري الذي يشارك في المهرجان للسنة الثالثة على التوالي إلى اهتمام الجمهور بحضور المعارض والمشاركة بورش العمل التجريبية. وقال إن «منطقة قصر الحصن» الجديدة ضمن البيئات التقليدية لمجتمع الإمارات، تحظى باهتمام لافت ولاسيما أنها صورة مصغرة عن كل ما يحيط بهذا الصرح من حقائق تاريخية وإنجازات متواصلة ومستمرة مع أعمال الترميم حتى اليوم. منازل من ورق وتضم التجارب الحية التي تم استحداثها هذا العام ضمن «منطقة قصر الحصن» نماذج للأبنية التقليدية عن طريق مشاهدات شاملة على مناهج تشييد المنازل والأبنية باستخدام المواد الطبيعية. ومنها ورشة التنقيب عن الآثار المخصصة للأطفال حيث يستفيدون من الحفريات بحثاً عن الدلائل العمرانية القديمة. وعند العثور عليها يقدمونها إلى وحدة المعالجة حيث يتعرفون إلى خصائصها مع إمكانية فحصها بدقة. ومن الورش المسلية والجديدة، صناعة نماذج من ورق للحصن بحسب الإرشادات يستفيد منها الأطفال من عمر 6 - 13 عاماً. ويمكن لهذه الفئة العمرية أن تقوم بتصميم أبنية خاصة بعد تعلم طريقة تشييد نماذج مصغرة لمنازل الأحلام من الورق والرغوة ومعرفة المزيد عن كيفية العمارة التقليدية. وينعم زوار «منطقة قصر الحصن» بمشاهدات ثرية يوفرها المعرض الدائم في المبنى المجاور للقصر. ويضم قصصاً لأشخاص عاصروا تلك المرحلة من تاريخ أبوظبي، يسردون رواياتهم من خلال تسجيلات قديمة. ومن الحكايات الواردة في المعرض مجموعة صور ومعلومات وثائقية تم تجميعها من جهات معنية بحفظ الإرث الوطني. معظمها يقدم للمرة الأولى ضمن معرض ملامح فوتوغرافية ومعرض أرشيف وذكريات - قصة وطن ومعرض ذاكرة المجمع الثقافي ومعرض الصقارة. إضافة إلى 3 معارض مستمرة من الدورة الفائتة للمهرجان، وهي معرض القهوة ومعرض قصر الحصن ومعرض صيد اللؤلؤ. مواكبة العصور ضمن جمهور مهرجان قصر الحصن من مختلف الفئات المجتمعية والعمرية تطل آراء أصيلة لشخصيات فذة من المجتمع الإماراتي. تترجم انطباعها الصادق عن الاحتفال بقصر الحصن الذي واكب عدة عصور ولا يزال يتربع على قائمة الوجهات الأكثر إثارة وتشويقاً وثراءً. وتحدث عبدالله المحيربي الباحث في التراث عن إعجابه وتقديره لإقامة مهرجان قصر الحصن كتقليد سنوي. وقال إن لهذا الصرح مكانة خاصة تعيش في وجدان كل مواطن مخلص سمع عن بدايات الحصن كبناء ونواة لصناعة الحاضر والمستقبل. وقال إن أهم ما في المهرجان كحدث تراثي متنوع أنه موجه لمختلف الأجيال، بحيث يترافق الجد مع الابن والحفيد ويتبادلون الروايات عن شكل الحياة قديماً. وهذا ما تسعى إليه الدولة بقيادتها الرشيدة وحكمة شيوخها عبر الإصرار على نشر أصالة الماضي وتعزيز الهوية الوطنية. وذكر المحيربي أنه يزور مهرجان قصر الحصن سنوياً حيث يستمتع بفقراته الحية الآتية من زمن الكبار. وأكثر ما يعجبه في الموقع أنه يصطحب الزوار بمشاهد لافتة وحقيقية إلى عصور قد لا يكون من السهل تجسيدها على هذا النحو في مكان آخر بالمنطقة. ودعا عبدالله المحيربي أبناء الجيل الجديد إلى التمسك بأمجاد الماضي التي صنعت من الإمارات اليوم ما هي عليه كرمز للتباهي والافتخار. من جهته، أكد مخطط أبوظبي الدكتور عبدالرحمن مخلوف أنه لا يفوت فرصة لزيارة مهرجان قصر الحصن إلا ويستغلها. فهو هنا يستعيد أياماً خلت عندما كان يرافق المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في جولاته التأسيسية لإمارة أبوظبي. وقال مخلوف إن قصر الحصن هو التاريخ كله وليس أفضل منه ليحمل اسم أضخم مهرجان تراثي في البلاد. واعتبر أن أكثر ما يعجبه في أجواء المهرجان المشاهد التراثية التي تترجم الشعور بالتاريخ والثقافة، إذ لا يمكن للمواطن أو المقيم إلا ويشعر بصدق الانتماء إلى هذا المكان العريق بأصالته. وأضاف بحنين «لا يسعني اليوم إلا وأن أذكر زايد الخير الذي بنى مجمل طموحاته انطلاقاً من هذا الصرح تعبيراً منه عن مشاعر الفخر والامتنان لأجداده ممن حملوا الشعلة الأولى. هو عرف كيف ينطلق بهذه الشعلة إلى طريق الحضارة وخلف من بعده ذرية تثمن معنى التاريخ وتعمل جادة وجاهدة على صقله وحفظه منارة للمستقبل». العرض الضوئي من الفقرات التي تدخل هذا الموسم ضمن برنامج مهرجان قصر الحصن في دورته الرابعة العرض الضوئي. وهو يمكن الزوار بأسلوب مبتكر من التعرف على الحقب التي مرت على قصر الحصن منذ أكثر من 250 عاماً. احتفالية شاملة لا تقتصر منطقة قصر الحصن على المحتوى الثقافي التعليمي الذي تقدمه وإنما تمثل احتفالية شاملة تجمع الأجيال عند مجلس واحد. والروايات التي تسرد هنا تصب كلها في خانة الظروف التي رافقت تشييد القصر والإضاءة على وظائفه عبر الزمن من خلال ورش العمل والأنشطة والمعارض المرافقة. منصة تفاعلية «مجلس الحصن» هي منصة تفاعلية ضمن «منطقة قصر الحصن» تهدف إلى تعزيز وعي الزوار بأهمية المجلس التقليدي. ولأهميته، تم إدراج المجلس ضمن القائمة التمثيلية لمنظمة اليونسكو للتراث الثقافي المعنوي غير المادي، ويسهم هذا المجلس في التعريف بتاريخ وتراث وعادات وتقاليد الشعب الإماراتي. أدوات تقليدية يتلخص المشهد الوطني لمهرجان قصر الحصن عبر طفل يحاول التعرف على الأدوات التقليدية من باب فك رموزها. فيأتي من يعلمه كيفية استعمالها شارحاً له الغرض منها فيخرج الطفل مستمتعاً بمعلومة جديدة اكتسبها ولن تمحى هذه المرة من ذهنه لأنه تلمسها عن قرب وعاينها بالصوت والصورة. معرض قصر الحصن يحكي هذا المعرض قصة أبوظبي وشعب الإمارات منذ أكثر من 250 عاماً. ويسرد التغييرات الجذرية التي لحقت بالعاصمة الإماراتية والنمو الذي طال المجتمع الصغير القائم على أنشطة الصيد ليصبح اليوم نموذجاً عصرياً للمدينة العالمية. ويتلمس الزوار في أروقة المعرض الروابط التي تركت آثارها على الأجيال المتعاقبة منذ بدايات قصة قصر الحصن كأول مبنى حجري مستمر في جزيرة أبوظبي، منذ كان قصر الحاكم والشاهد على نشأة المدينة وتطورها ورمزاً لقوتها وشموخها. مجالس الكبار والصغار من مجالس الكبار في «منطقة قصر الحصن» يتعلم الصغار كرم الضيافة وحسن الأخلاق وآداب الكلام والسلام، الرجال مرجع الأبناء والنساء قدوة البنات في مجتمع سمته التماسك والحرص على العادات والتقاليد والسمعة الطيبة. أما اعتناق الهوية الوطنية نهجاً يسري كما الدم في العروق، فهو ما يعززه مهرجان قصر الحصن الذي لا يوفر جهداً إلا ويبذله لنقل الماضي إلى الحاضر بأمانة تكرس اليوم حجر الأساس لمستقبل بنيته الأصالة والعراقة.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا