• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

الشركات البريطانية إذا لم تستطع أن تبيع للمستهلكين الأجانب وفق نفس الشروط التي يبيع بها منافسوها في أوروبا، فإنها لن تجني فائدة ذاك التنافس.

أسباب بريطانية للقلق من «الخروج»

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 19 أكتوبر 2016

فيكتوريا بيتمان*

الكثير من السياسيين البارزين في حزب المحافظين الذين تزعموا الحملة الداعية إلى «الانسحاب» من الاتحاد الأوروبي خلال الاستفتاء البريطاني الأخير، فعلوا ذلك بنيات حسنة، حيث حاججوا بأن الانسحاب من الاتحاد سيسمح لبريطانيا بالتخلص من السياسات الأوروبية المقيّدة للنمو وبتحرير الأسواق داخلياً وخارجياً. وعلى هذا الأساس تنبأ «اقتصاديو الخروج البريطاني» بارتفاع الناتج الإجمالي المحلي لبريطانيا بعد الخروج بنسبة 4٪. ولا شك أن في هذا بعض العزاء للبريطانيين الذين يودون رؤية نتيجة إيجابية للانسحاب من أوروبا، غير أن ثمة ستة أسباب للتشكيك في هذا التفاؤل لدى أنصار الخروج.

فأولاً، وفي ما يتعلق بالأسواق الداخلية، يمكن القول إن إزالة كل القوانين والتعقيدات البيروقراطية المرتبطة بالاتحاد الأوروبي، هي ذات فائدة مشكوك فيها. فبريطانيا أصلا تُبلي بلاءً حسناً بخصوص الحرية الاقتصادية. ووفق مؤشر «منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية» للتنافسية وتكافؤ الفرص، فإن بريطانيا تسجل 1.08 (على سلم من صفر إلى ستة، حيث يعني الصفر عدم وجود أي عراقيل)، وهولندا البلد الوحيد الذي يُبلي بلاءً أفضل منها.

وبخصوص مؤشر سهولة مناخ الأعمال، تحتل بريطانيا المرتبة السادسة بين 189 بلداً، متقدمةً على الولايات المتحدة بمرتبة واحدة. غير أنه إذا كانت بريطانيا ستكون حرة للتخلص من قوانين وتنظيمات الاتحاد الأوروبي بعد مغادرته، فإنها ستكون حرة كذلك لإضافة المزيد: دعم الشركات المتعثرة، وإيلاء الأولوية للشركات الداخلية في الصفقات العامة، وكلاهما غير مرحب به من قبل أنصار السوق الحرة، وغير ممكن وفق قوانين الاتحاد الأوروبي.

ثانياً، من غير الواقعي أن نتوقع دخول بريطانيا إلى الأسواق العالمية بشروط أفضل من تلك التي كانت ستدخل بها لو أنها بقيت عضواً في الاتحاد الأوروبي، فبريطانيا تمثّل 2.5٪ فقط من التجارة العالمية في السلع والخدمات، مقارنةً بـ16.3٪ بالنسبة للاتحاد الأوروبي. وإذا كان الاتحاد الأوروبي يمثّل 14٪ من السلع المستوردة العالمية و20٪ من الخدمات المستوردة العالمية، فإن الرقمين المقابلين بالنسبة للمملكة المتحدة هما 2.2٪ و2.9٪ فقط. وبالتالي، فبريطانيا لديها أشياء أقل بكثير لتقدمها للبلدان الأجنبية مقابل منح هذه الأخيرة للشركات البريطانية إمكانيةَ الوصول إلى أسواقها من دون تعريفات جمركية.

ثالثاً، بريطانيا تسعى إلى أن تصبح قوة عولمية في وقت يتميز بتنامي الحمائية التجارية وتباطؤ في نمو التجارة العالمية. وفي هذا الصدد، يحاجج العضو البريطاني في البرلمان الأوروبي المؤيد للخروج من الاتحاد الأوروبي، دان هنان، بأنه بالنظر إلى انخفاض نصيب الصادرات البريطانية التي تذهب إلى أوروبا (44٪ حالياً)، فإن صادرات بريطانيا المستقبلية يمكن أن تستفيد أكثر من النمو خارج أوروبا، حيث يُتوقع أن يأتي 90٪ من النمو العالمي المستقبلي. والحال أن مقايضة الوصول الحر إلى الأسواق الأوروبية بما يؤمل أن يكون وصولاً أفضل إلى بقية العالم، هو ضرب من التفكير الرغائبي في وقت يتسم بتنامي الحمائية التجارية خارج أوروبا.

رابعاً، من الصعب المبالغة في وصف الصعوبة التي ستواجهها بريطانيا أثناء محاولة التفاوض حول ثماني اتفاقيات تجارية ثنائية منفصلة لتغطية أغلبية تجارتها الحالية (80٪)، و150 اتفاقية أخرى لتغطية كل تجارتها الحالية. ولأن خليط الصادرات البريطانية معقد ومتعدد الأوجه مقارنةً بالنرويج وسويسرا، مثلاً، فإن التفاوض حول هذه الاتفاقيات التجارية سيستغرق وقتاً معتبراً. وهذا أمر مهم جداً ينبغي وضعه في الحسبان لأن التاريخ يُظهر لنا أن استعادة الأسواق بعد فترة اضطراب مؤقتة يمكن أن تكون أمراً عسيراً للغاية.

خامساً، التجارة لديها فوائد ومزايا ليس عبر البلدان التي تتبادل السلع فحسب، ولكن أيضاً عبر حقيقة أن الشركات المحلية تتعلم الانضباط من السوق لمواكبة المنتجين المنافسين، والكثير منهم -في حالة بريطانيا- يوجدون في الاتحاد الأوروبي. ذلك أنه إذا لم تستطع الشركات البريطانية أن تبيع للمستهلكين الأجانب وفق نفس الشروط التي يبيع بها منافسوها في أوروبا، فإن الشركات البريطانية لن تجني فائدة ذاك التنافس. لهذا، فإن اتفاقيات التجارة الثنائية مع بلدان خارج أوروبا لا تكفي. ولا شك أن التفاؤل إيجابي، عندما يكون في محله. لكن في محاولة لتحرير بريطانيا من أجل القيام بأشياء أكثر وعقد اتفاقيات أفضل، ربما ينبغي على أنصار الخروج البريطاني التأني قليلاً.

*زميلة ومحاضرة بكلية جونفيل آند كيز بجامعة كامبريدج البريطانية

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا