• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

الجديد الذي لم يقرأه كثيرون في مباراة «كلينتون.. ترامب» الرئاسية هو ذلك التدني والدونية في أداء الساسة الأميركيين.. وذلك التردي العقلي واللفظي والأخلاقي

الوسائل هي الغايات.. في عالم الغابات!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 19 أكتوبر 2016

محمد أبوكريشة*

رُبما لأوّل مرّة نعرف نتيجة الانتخابات الرئاسية الأميركية «قبل الهَنا بسنة» على رأي المصريين.. فقد سقط دونالد ترامب أو أسقط بفعل فاعل قبل الانتخابات، وفازت هيلاري كلينتون قبل إعلان النتائج.. وفقدت المباراة عنصر السخونة والتشويق «والأكشن» الأميركي المعتاد في كل الأمور.. فالأكشن هو الأسلوب الأميركي الذي ألفناه حتى في العلاقات مع العالم.. أن تظل مشدوداً طوال الفيلم، وتلهث خلف المشاهد والأحداث والغموض والمطاردات والدماء والمخلوفات الغريبة.. ثم لا نهاية ولا نتيجة ولا هدف.. ولا يكاد أحد منا يتذكر نهاية أي فيلم أميركي في الواقع أو في هوليوود.. فهم ليسوا معنيين بالنهاية ولا بالهدف ولا بالنتيجة.. ولكنهم معنيون فقط بأن نظل نتابعهم ونلهث خلفهم ونحبس أنفاسنا انتظاراً لما لا يأتي أبداً.. وهذا بالضبط ما حدث في فيلم «كلينتون.. ترامب».. سخونة والتهاب الأحداث والمشاهد والمطاردات والمناظرات.. ولا أهمية للنهاية أو النتيجة أو الهدف.. وهذا أيضاً ما يحدث فيما يسمى الحرب على الإرهاب.. وفي الأزمة السورية.. وفي قانون «جاستا»، وفي الهرولة الأميركية نحو إيران.. وفي الشد والجذب بين واشنطن وموسكو.. وفي تحييد العرب تماماً في قضاياهم وأزماتهم.. وفي غموض والتباس العلاقات الأميركية العربية.. الحسم ممنوع في الأفلام الأميركية الواقعية، كما الهوليوودية.. لا يريدون أن ينصرف الجمهور عنهم.. بل يجب أن نظل متسمرين في مقاعدنا، لاهثين نتصبب عرقاً وننزف دماً ونموت جوعاً وعطشاً، ولا نتحرك حتى لا يفوتنا مشهد واحد.. ثم لا شيء ولا مردود ولا حل ولا نهاية ولا هدف.. وفي كل مرة وفي كل حدث تصل بنا أميركا إلى حافة الهاوية ثم تبتسم وتقول: «هيا نعود مرة أخرى ونلعب من جديد».. والمضحك أكثر أننا نسمع الكلام كالأطفال المطيعين، ونعود لنلعب من جديد أو بمعنى أدق لتلعب بنا أميركا من جديد.

كانت نظرية نيكول دي برناردو دي ميكيافيلي الفيلسوف أو قل الفقيه السياسي الإيطالي الشهير «1469 - 1527م» في كتابه الأشهر «الأمير» هي «الغاية تبرر الوسيلة».. وأرسى في هذا الكتاب شعاراً أو مبدأ خطيراً هو: «ما هو مفيد غير ضروري»، بمعنى أن الضرورة لا الفائدة هي التي تفرض القرار أو الحركة أو السلوك للمسؤول أو الحاكم أو القائد.. والضرورة في رأي ميكيافيلي تجعل الخداع والكذب مشروعين.. كما تجعل تزوير الانتخابات عملاً شرعياً ليبقى الحاكم القوي في موقعه.. كما تبيح الحرب القذرة ضد الخصوم.. وينبغي أن يكون الحاكم كذاباً ومراوغاً، وعليه أن يستغل الدين وتدين الناس «وكان ذلك التدين سمة العصر الكنسي في أوروبا»، من أجل تحقيق الضرورة لا الفائدة.. وعلى الحاكم أن يبدو متديناً في كلامه وخطابه حتى إذا لم يكن كذلك في سلوكه من أجل خداع الناس الذي هو ضرورة حتى إذا لم يكن مفيداً.

وإذا كانت نظرية ميكيافيلي السياسية قد لقيت رفضاً من معظم مفكري أوروبا والعالم من وقت ظهورها وحتى الآن، فإنها لقيت قبولاً وتطبيقاً أميناً من جانب معظم السياسيين في هذا العالم، وأجمع عليها الساسة سواء في الحكومات أو المعارضات.. بل طبقها بحذافيرها ما نسميه اليوم الإسلام السياسي عندما تبناها «الإخوان» بنصها وحرفها، ولعبوا بمبدأ «الغاية تبرر الوسيلة.. وما هو مفيد ليس ضرورياً».. والدين خادم السياسة وليست السياسة خادمة الدين.. وفكرة تسييس الدين وليست فكرة تديين السياسة.. وهذه وقفة أخرى قد نقفها فيما بعد.. ولا نود أن تأخذنا بعيداً عن فيلم «الأكشن» الأميركي.

أميركا ذهبت أبعد من ميكيافيلي عندما جعلت الوسيلة هي الغاية.. ولم تطبق «الغاية تبرر الوسيلة».. فلا غايات في أميركا سوى الوسائل.. ولا أهمية للنهاية أو الهدف أو النتيجة، ولكن الأهمية والتركيز على «الأكشن» والأساليب والوسائل.. فإشعال الأمور.. كل الأمور في الداخل أو في الخارج الأميركي هو الوسيلة وهو الغاية.. من أجل خطف الأنظار وسرقة الكاميرا، وجعل العالم يلهث خلف الفعل أو حتى اللافعل الأميركي.

الجديد الذي لم يقرأه كثيرون في مباراة «كلينتون.. ترامب» الرئاسية، هو ذلك التدني والدونية في أداء الساسة الأميركيين.. وذلك التردي العقلي واللفظي والأخلاقي لدى هؤلاء الذين يتسابقون على البيت الأبيض وعلى حكم أكبر دولة في العالم.. إنه أداء إباحي جنسي مرعب.. يجعلك تتساءل: هل هؤلاء هم الذين يفكرون ويخططون للعالم ويقودون سفينته؟.. هل هؤلاء الذين لا يتورعون عن استخدام أحقر الوسائل والأساليب لاغتيال خصومهم هم الذين سيكونون أمناء على العالم ومصيره؟ وهذه الحرب الجنسية القذرة بين كلينتون وترامب.. تؤكد لك أن هذا هو أداء الولايات المتحدة في كل الأحداث الدولية.. هكذا يؤدون.. فلا خطوط حمراء ولا مشاهد ممنوعة ولا قيم في الخصومة.. ولا صداقات ولا عداوات ولا غايات.. وكما يحدث في مباريات وأفلام «الأكشن» الانتخابية من تدنٍّ وضرب تحت الحزام.. نرى ذلك في السياسة الخارجية الأميركية.. فهم ليسوا معنيين في انتخاباتهم أو في سياستهم الخارجية بعرض خططهم وأفعالهم، ولكنهم معنيون باغتيال الخصم وتصفيته معنوياً أو جسدياً.. وهم يستخدمون ملفات مزيفة للضغط على الخصوم واغتيالهم مثل حقوق الإنسان والديمقراطية والإرهاب.. وقد رأينا في مناظرات ترامب وكلينتون اعتداءات على حقوق الإنسان وانتهاكات للخصوصية، ورأينا إرهاباً فكرياً ممجوجاً.. ورأينا ديكتاتورية مقيتة في قمع الخصم واستهدافه في شرفه وأخلاقه.

ورأينا شراء للذمم من أجل اغتيال الخصم.. ورأينا تجنيداً للإعلام في الحرب القذرة.. رأينا الغاية هي نفسها الوسيلة.. وفي آخر المعركة الانتخابية، سنرى بالتأكيد كيف يهنئ الخاسر الفائز بعد أن نال الطرفان من بعضهما، وأكدا أن القيم الأميركية التي يتحدث عنها الرؤساء المتعاقبون ليست سوى أكذوبة.. والمنحنى الأميركي يتدنى بسرعة، وسلوك العدوان والإرهاب يتصاعد.. والوسائل هي الغايات في عالم الغابات!

* كاتب صحفي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا