• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

في أوروبا الآن أحزاب جديدة -ليبرالية اجتماعياً ومؤيدة لأوروبا ومناوئة للشعبوية- تتشكّل أو يُعاد تشكيلها من أجل التصدي للموجة غير الليبرالية.

أوروبا بين السلطوية والليبرالية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 18 أكتوبر 2016

آن آبلباوم*

لستُ واثقة من أنها كانت يوماً ما كذلك، ولكن السياسة لم تعد «محلية» بكل تأكيد، حيث باتت الأفكار اليوم تقفز عبر الحدود، والتكتيكات السياسية تنتشر عبر الإنترنت، وكذلك الكلمات والعبارات. فقبل بضع سنوات، أخبرني أحد مؤسسي حزب «جوبيك» اليميني المتطرف في المجر أنه أُلهم من قبل تجمع حضره لحزب «الحرية» اليميني المتطرف على الجانب الآخر من حدود بلاده مع النمسا، ولكنه بات بمقدور هذا السياسي المجري اليوم مشاهدة التجمع الحزبي نفسه على «يوتيوب» من دون أن يضطر لمغادرة منزله.

خلال السنوات القليلة الماضية، أفادت الحركةُ السريعة للأفكار والتكتيكات السياسية الديمقراطيين غير الليبراليين، عبر الغرب وعبر العالم بشكل عام، حيث أسهمت مجموعةٌ من الأزمات -مثل الهجرة في أوروبا، والحرب في سوريا، وإرهاب التنظيمات المتطرفة- إضافة إلى الأسواق المالية المتوترة، في شعور حقيقي بانعدام الأمن. شعور ضخّمته وسائل التواصل الاجتماعي، ما أجّج مشاعر قوية -حسد وكراهية وشك- بسرعة كبيرة، وأصبحت جيوش إلكترونية أوتوماتيكية تُستعمل لخوض الانتخابات والتلاعب بالرأي العام في كل مكان من الولايات المتحدة إلى الفلبين وعبر أوروبا.

والنتيجة كانت دعماً متزايداً للزعماء الذين يقترحون حلولاً بسيطة من قبيل «أنا فقط أستطيع حل المشكلة»، و«اعتقال تجار المخدرات»، و«طرد الأجانب»، و«بناء جدار»، وباتت «عبادة الشخصية» وهو مصطلحٌ اختُرع في زمن مختلف ومكان مختلف، تُستعمل فجأة في نحو اثنتي عشرة ديمقراطية عبر العالم بأسره. البعض اكتسب أنصاراً، مثل دونالد ترامب في الولايات المتحدة، وجيرت ويلدرز في هولندا، ومارين لوبين في فرنسا، والبعض فاز في الانتخابات، والبعض استعمل -حين وصل للسلطة- تكتيكات مألوفة بالنسبة إلى الديكتاتوريات أكثر منها بالنسبة إلى الديمقراطيات، ففي تركيا هناك اليوم قمع للسياسيين والصحفيين والمفكرين المستقلين، وفي المجر قام رجال أعمال مقربون من حزب فيكتور أوربان المعروف باسم «فيديس» بشراء معظم وسائل الإعلام، والأسبوع الماضي أسهموا في إغلاق آخر صحيفة معارضة ملتزمة في البلاد «نيبسزبادساج» مباشرة بعد أن نشرت عدة مقالات منتقِدة للحزب الحاكم. وفي بولندا حوّلت حكومة «القانون والعدالة» التليفزيونَ التابع للدولة إلى ذراع لبروباجندا الحزب..

في كل حالة من هذه الحالات تفسّر انقساماتُ وإرهاق وضعف السياسيين «الليبراليين» المؤيدين للديمقراطية أو لأوروبا أيضاً، نجاحَ هذه الأحزاب الجديدة، ولكن هل تستطيع هذه الأخيرة التعلم بعضها من بعض أيضاً؟

عبر أوروبا، هناك اليوم أحزاب جديدة -ليبرالية اجتماعياً ومؤيدة لأوروبا ومناوئة للشعبوية- تتشكّل أو يُعاد تشكيلها من أجل التصدي للموجة غير الليبرالية. وعلى غرار خصومها، فإنها ليست «يمينية» ولا «يسارية»، ولكنها تروّج لنفسها باعتبارها عقلانية وفعالة، ومعارِضة لكراهية الأجانب والشعبوية اللتين تميزان خصومها، وممثِّلة لمجموعات، لا لأفراد كاريزميين. ففي إسبانيا، على سبيل المثال، فاز حزب «سيودادانوس» («مواطنون») بالدعم الشعبي عبر خوض حملة ضد القومية الإقليمية تحت شعار «كتالونيا موطني، وإسبانيا بلدي، وأوروبا مستقبلي». وفي بولندا، أكسبت حملةٌ ضد محاباة الأقرب حزبَ «نوووتشينا» («معاصر») معدلات عالية.

ويمكن القول إن الأسبوعين الماضيين شكّلا نوعاً من نقاط التحول، ففي المجر، مثلاً، توحّد زعماءُ المعارضة المتفككة لمقاطعة استفتاء مصمَّم لتعزيز الدعم للحزب الحاكم وتأجيج كراهية الأجانب. ذلك أن سؤال الاستفتاء الذي صُوغ على نحو يبعث على الشك والارتياب، والحملة الدعائية الواسعة التي أدارتها الدولة -الدولة استأجرت أكثر من ربع اللوحات الإعلانية في كل البلاد- وقصص جرائم القتل والاغتصاب من قبل اللاجئين على وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة... جميعها وسائل سعت لإقناع المجريين بالتصويت ضد استقبال بضعة آلاف من اللاجئين من الحرب الأهلية السورية. وعلى الرغم من أنه لم تُمنح أي أموال عمومية للحملة المؤيدة، فإن أغلبية المجريين لبّت دعوة المعارضة في الثاني من أكتوبر ولم تبرح منازلها. وتعليقاً على هذا الأمر، كتب رئيس «إيجيوت» («معا») فيكتور زيجيتفاري يقول: «إن سؤالاً مضللاً وغير صادق لا يستحق جواباً». وعلى الرغم من أن الحكومة «فازت» في النهاية وبهامش كبير، فإن نسبة المشاركة الضعيفة جداً جعلت نتيجة الاستفتاء لاغية. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا