• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

ساستها أدركوا أهمية الاستقرار لإنجاح المرحلة الانتقالية

طريق تونس نحو الديمقراطية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 09 يونيو 2014

أسامة رمضاني

وزير سابق في حكومة الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي

في الأول من شهر مايو المنصرم، صادق المجلس التأسيسي التونسي على إجراء سيمثل محطة أساسية في مسيرة الانتقال الديمقراطي للبلاد، فأثناء مداولاتهم بشأن إقرار قانون جديد للانتخابات، رفض أعضاء المجلس المصادقة على مشروع قانون كان سيحظر على أعضاء سابقين في الحزب الحاكم للرئيس المخلوع، بن علي، ممارسة الحياة السياسية. ومع أنه حتى بتمرير القانون المثير ما كان ذلك سيؤثر على موازين القوى في الساحة السياسية، لاسيما أنه من غير المتوقع أن يترشح مسؤولو النظام السابق في الانتخابات ويعودوا للسيطرة مجدداً على غرار ما كان في السابق، فإنه بمنعهم من ممارسة حقوقهم المدنية كاملة كان القانون سيحول أعضاء النظام السابق إلى شهداء سياسيين، ما سينزع عن الأحزاب الموجودة في الساحة المصداقية وهم يدعون التزامهم بمرحلة انتقالية تشمل الجميع ولا تقصي أحداً. هذا ناهيك عن أن إقرار قانون العزل كان يعيد إلى الأذهان ذكريات مؤلمة لقائدي الحزبين الرئيسيين؛ الباجي قايد السبسي، زعيم حركة «نداء تونس» الذي مازال يعترف بالتأثيرات السلبية التي خلفتها في نفسه تجربة الصراع المرير على السلطة أواسط الخمسينيات بين بورقيبة وغريمه بن يوسف، وما خلفته من توتر كاد يعصف بتونس، فيما يؤكد زعيم حركة «النهضة»، راشد الغنوشي، أنه غير مستعد لتكرار الممارسات القمعية ذاتها التي استهدفت حركته. وفي النهاية، اختار أغلبية المشرعين التصويت ضد قانون العزل السياسي ليعطوا بذلك دفعة قوية لعملية المصالحة السياسية التي تحتاجها تونس في هذه اللحظة المهمة من تاريخها.

والحقيقة أن تونس، وعلى امتداد السنوات الثلاث الماضية التي تلت إطاحة النظام السابق، انخرطت في محاولات دؤوبة لتجاوز الخلاف المستحكم بين مؤيدي الحكومة الإسلامية ومناهضيها العلمانيين، فمنذ تشكيل الحكومة الائتلافية بقيادة الإسلاميين عقب انتخابات 2011، طغى الصراع السياسي والتصعيد بين المعسكرين، واستدعى الأمر عدداً من الحوادث الخطيرة، لكي يدرك الطرفان المتصارعان أن البلاد بدأت تنزلق نحو الحرب الأهلية. وفي البداية حاولت «النهضة» التمسك بالمشروعية الانتخابية، لكن الإسلاميين لم يتأخروا في استيعاب المشهد السياسي المتغير منذ صعودهم للسلطة في 2011، حيث وجدت «النهضة» نفسها أمام كتلتين معارضتين قويتين، تتمثل الأولى في «الاتحاد من أجل تونس» الذي تقف حركة «نداء تونس» في صلبه، وحزب «الجبهة الشعبية» اليساري الذي يضم أطيافاً متنوعة من اليساريين بقيادة همة الحمامي، وأدى الخوف من انزلاق البلاد نحو الصراع الأهلي، ومن النموذج السلبي الذي قدمه «الإخوان المسلمون» في مصر، إلى إقناع «النهضة» بالخروج من الحكومة والانتقال من سياسة المعادلات الصفرية إلى أخرى تقوم على التوافق والتراضي بين المكونات السياسية، لاسيما بين «النهضة» و«نداء تونس».

وفي أكتوبر 2013 مهدت المفاوضات الثنائية بين السبسي والغنوشي الطريق لاستئناف المفاوضات بين الأحزاب السياسية كافة، ليجري الحوار برعاية النقابات القوية في تونس، وفدرالية أرباب العمل، ومنظمات حقوق الإنسان الأساسية؛ وكان للتنازلات التي قدمتها الأطراف أن سهلت الاتفاق على إقرار الدستور الجديد واستبدال الائتلاف الحاكم الذي يقوده الإسلاميون بحكومة تكنوقراط مستقلة. هذا التوافق جاء لينهي مرحلة اتسمت بانعدام الاستقرار واستفحال المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، حيث جنح الطرفان معاً نحو الوسط؛ فقد نأى إسلاميو «النهضة» بأنفسهم عن السلفيين، وألجموا قطاعاتهم المتشددة داخل صفوفهم، فيما كبحت «نداء تونس» مواقف حلفائها من اليسار وأرغمتهم على الاعتدال في مطالبهم، وبدا أن حظوظ الانتقال السياسي تحسنت على نحو كبير بعدما اتفق الطرفان على وقف «حرب الهوية» الناشبة ووضع حد لحالة الاستقطاب الحاد، وتمكنا من التوافق في يناير الماضي على دستور جديد عندما ابتعدا عن مواقفهما الحدية بشأن وضع المرأة ودور الشريعة.

وما أن توقف الإسلاميون عن دعم مطالب الشرائح المحافظة في صفوفهم حتى أصبح التوافق ممكناً، وهكذا استوعبت النسخة النهائية للدستور الالتزام بالإرث العربي الإسلامي لتونس، مع الانفتاح على الثقافات الأجنبية، وحافظ الدستور على موقع الإسلام كما كان في دستور 1959، لكنه أكد مفهوم «الدولة المدنية» والمساواة بين الجنسين، وأهم من ذلك أن العلمانيين تجاوزوا مخاوفهم القديمة من سيطرة الإسلاميين على المجتمع.

ومنذ مغادرتها الحكومة، بذلت «النهضة» جهوداً مضاعفة لطمأنة الطبقة الوسطى التونسية إلى أنها «تتبنى خطاباً تونسياً وليس إسلامياً»، حسب تعبير رفاعة بن عاشور، أحد رموز «نداء تونس»، وهو ما ذهب إليه أيضاً الخبير في الشؤون التونسية، فرانسيس جيل، عندما أكد أن الغنوشي، ومنذ الخريف الماضي، أصبح «يتصرف وكأن مستشاراً أميركياً ينصحه بالتحول إلى ما يشبه الحزب الديمقراطي المسيحي في أوروبا». هذا التوافق الكبير وصل ذروته في الأول من مايو الماضي عندما تم استبعاد قانون العزل السياسي، في دلالة واضحة على الشوط الذي قطعته القوى السياسية في إعادة تقييم أولوياتها. فبعدما وصلت تونس في الصيف الماضي إلى حافة الهاوية وباتت أقرب إلى الفوضى والانفلات الكلي، يبدو اليوم أن قادة «النهضة» و«نداء تونس» قد أجريا المراجعات المطلوبة، معتبرين أن الاستقرار والسلم الأهلي شرطان أسياسيان لإنجاح المرحلة الانتقالية والمرور إلى الفترة الديمقراطية.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا